ويجوز أن يكون ضمير به عائدا إلى القرآن فيكون قوله ( وكذب به ) رجوعا بالكلام إلى قوله ( قل إني على بينة من ربي وكذبتم به ) أي كذبتم بالقرآن على وجه جعل ( من ) في قوله ( من ربي ) ابتدائية كما تقدم أي كذبتم بآية القرآن وسألتم نزول العذاب تصديقا لرسالتي وذلك ليس بيدي . ثم اعترض بجمل كثيرة . أولاها : ( وعنده مفاتح الغيب ) ثم ما بعده من التعريض بالوعيد ثم بنى عليه قوله ( وكذب به قومك وهو الحق ) فكأنه قيل : قل إني على بينة من ربي وكذبتم به وهو الحق قل لست عليكم بوكيل .
A E وقوله ( قل لست عليكم بوكيل ) إرغام لهم لأنهم يرونه أنهم لما كذبوه وأعرضوا عن دعوته قد أغاظوه فأعلمهم الله أنه لا يغيظه ذلك وأن عليه الدعوة فإن كانوا يغيظون فلا يغيظون إلا أنفسهم .
والوكيل هنا بمعنى المدافع الناصر وهو الحفيظ . وتقدم عند قوله تعالى ( وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ) في سورة آل عمران .
وتعديته ب ( على ) لتضمنه معنى الغلبة والسلطة أي لست بقيم عليكم يمنعكم من التكذيب كقوله تعالى ( فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ ) . وجملة ( لكل نبأ مستقر ) مستأنفة استئنافا بيانيا لأن قوله ( وهو الحق ) يثير سؤالهم أن يقولوا : فمتى ينزل العذاب . فأجيبوا بقوله ( لكل نبأ مستقر ) .
والنبأ : الخبر المهم وتقدم في هذه السورة . فيجوز أن يكون على حقيقته أي لكل خبر من أخبار القرآن ويجوز أن يكون أطلق المصدر على اسم المفعول أي لكل مخبر به أي ما أخبروا به من قوله ( أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم ) الآية .
والمستقر وقت الاستقرار فهو اسم زمانه ولذلك صيغ بوزن اسم المفعول كما هو قياس صوغ اسم الزمان المشتق من غير الثلاثي . والاستقرار بمعنى الحصول أي لكل موعود به وقت يحصل فيه . وهذا تحقيق للوعيد وتفويض زمانه إلى علم الله تعالى . وقد يكون المستقر هنا مستعملا في الانتهاء والغاية مجازا كقوله تعالى ( والشمس تجري لمستقر لها ) وهو شامل لوعيد الآخرة ووعيد الدنيا ولكل مستقر . وعن السدي : استقر يوم بدر ما كان يعدهم به من العذاب .
وعطف ( سوف تعلمون ) على جملة ( لكل نبأ مستقر ) أي تعلمونه أي هو الآن غير معلوم وتعلمونه في المستقبل عند حلوله بكم . وهذا أظهر في وعيد العذاب في الدنيا .
( وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين [ 68 ] ) عطف على جملة ( وكذب به قومك ) .
والعدول عن الإتيان بالضمير إلى الإتيان بالاسم الظاهر وهو اسم الموصول فلم يقل : وإذا رأيتهم فأعرض عنهم يدل على أن الذين يخوضون في الآيات فريق خاص من القوم الذين كذبوا بالقرآن أو بالعذاب . فعموم القوم أنكروا وكذبوا دون خوض في آيات القرآن فأولئك قسم والذين يخوضون في الآيات قسم كان أبذى وأقذع وأشد كفرا وأشنع وهم المتصدون للطعن في القرآن . وهؤلاء أمر الرسول A بالإعراض عن مجادلتهم وترك مجالسهم حتى يرعووا عن ذلك . ولو أمر الرسول E بالإعراض عن جميع المكذبين لتعطلت الدعوة والتبليغ .
ومعنى ( إذا رأيت الذين يخوضون ) إذا رأيتهم في حال خوضهم .
وجاء تعريف هؤلاء بالموصولية دون أن يقال الخائضين أو قوما خائضين لأن الموصول فيه إيماء إلى وجه الأمر بالإعراض لأنه أمر غريب إذ شأن الرسول E أن يمارس الناس لعرض دعوة الدين فأمر الله إياه بالإعراض عن فريق منهم يحتاج إلى توجيه واستئناس . وذلك بالتعليل الذي أفاده الموصول وصلته أي فأعرض عنهم لأنهم يخوضون في آياتنا .
وهذه الآية أحسن ما يمثل به لمجيء الموصول للإيماء إلى إفادة تعليل ما بني عليه من خبر أو إنشاء ألا ترى أن الأمر بالإعراض حدد بغاية حصول ضد الصلة . وهي أيضا أعدل شاهد لصحة ما فسر به القطب الشيرازي في شرح المفتاح قول السكاكي " أو أن تومئ بذلك إلى وجه بناء الخبر " بأن وجه بناء الخبر هو علته وسببه وإن أبى التفتزاني ذلك التفسير