والضمير المنصوب عائد إلى ( رب العالمين ) وهو من الكلام الذي أمروا بمقتضاه بأن قال الله للمؤمنين : أسلموا لرب العالمين وأقيموا الصلاة واتقوه . ويجوز أن يكون محكيا بالمعنى بأن قال الله : اتقون فحكي بما يوافق كلام النبي المأمور بأن يقوله بقوله تعالى ( قل إن هدى الله هو الهدى ) كما في حكاية قول عيسى ( ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم ) .
وجمع قوله ( واتقوه ) جميع أمور الدين وتخصيص إقامة الصلاة بالذكر للاهتمام .
وجملة ( وهو الذي إليه تحشرون ) إما عطف على جملة ( اتقوه ) عطف الخبر على الإنشاء فتكون من جملة المقول المأمور به بقوله ( قل إن هدى الله ) أي وقل لهم وهو الذي إليه تحشرون أو عطف على ( قل ) فيكون من غير المقول . وفي هذا إثبات للحشر على منكريه وتذكير به للمؤمنين به تحريضا على إقامة الصلاة والتقوى .
واشتملت جملة ( وهو الذي إليه تحشرون ) على عدة مؤكدات وهي : صيغة الحصر بتعريف الجزأين وتقديم معمول ( تحشرون ) المفيد للتقوي لأن المقصود تحقيق وقوع الحشر على من أنكره من المشركين وتحقيق الوعد والوعيد للمؤمنين والحصر هنا حقيقي إذ هم لم ينكروا كون الحشر إلى الله وإنما أنكروا وقوع الحشر فسلك في إثباته طريق الكناية بقصره على الله تعالى المستلزم وقوعه وأنه لا يكون إلا إلى الله تعريضا بأن آلهتهم لا تغني عنهم شيئا .
A E وجملة ( وهو الذي خلق السماوات ) عطف على ( وهو الذي إليه تحشرون ) والقصر حقيقي إذ ليس ثم رد اعتقاد لأن المشركين يعترفون بأن الله هو الخالق للأشياء التي في السماء والأرض كما قدمناه في أول السورة . فالمقصود الاستدلال بالقصر على أنه هو المستحق للعبادة لأن الخلائق عبيده كقوله تعالى ( أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون ) .
والباء من قوله ( بالحق ) للملابسة والمجرور متعلق ب ( خلق ) أو في موضع الحال من الضمير .
والحق في الأصل مصدر ( حق ) إذا ثبت ثم صار اسما للأمر الثابت الذي لا ينكر من إطلاق المصدر وإرادة اسم الفاعل مثل فلان عدل . والحق ضد الباطل . فالباطل اسم لضد ما يسمى به الحق فيطلق الحق إطلاقا شائعا على الفعل أو القول الذي هو عدل وإعطاء المستحق ما يستحقه وهو حينئذ مرادف العدل ويقابله الباطل فيرادف الجور والظلم ويطلق ا لحق على الفعل أو القول السديد الصالح البالغ حد الإتقان والصواب ويرادف الحكمة والحقيقة ويقابله الباطل فيرادف العبث واللعب . والحق في هذه الآية بالمعنى الثاني كما في قوله تعالى ( ما خلقناهما إلا بالحق بعد قوله وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ) وكقوله ( ويتكفرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا ) . فالله تعالى أخرج السماوات والأرض وما فيهن من العدم إلى الوجود لحكم عظيمة وأودع في جميع المخلوقات قوى وخصائص تصدر بسببها الآثار المخلوقة هي لها ورتبها على نظم عجيبة تحفظ أنواعها وتبرز ما خلقت لأجله وأعظمها خلق الإنسان وخلق العقل فيه والعلم وفي هذا تمهيد لإثبات الجزاء إذ لو أهملت أعمال المكلفين لكان ذلك نقصانا من الحق الذي خلقت السماوات والأرض ملابسة له فعقب بقوله ( ويوم يقول كن فيكون قوله الحق ) .
وجملة ( ويوم يقول كن فيكون قوله الحق ) معطوفة على التي قبلها لمناسبة ملابسة الحق لأفعاله تعالى فبينت ملابسة الحق لأمره تعالى الدال عليه ( يقول ) . والمراد ب ( يوم يقول كن ) يوم البعث لقوله بعده ( يوم ينفخ في الصور ) .
وقد أشكل نظم قوله ( ويوم يقول كن فيكون قوله الحق ) وذهب فيه المفسرون طرائق . والوجه أن قوله ( ويوم يقول كن فيكون ) ظرف وقع خبره مقدما للاهتمام به والمبتدأ هو ( قوله ) ويكون ( الحق ) صفة للمبتدأ . وأصل التركيب : وقوله الحق يوم يقول : كن فيكون . ونكتة الاهتمام بتقديم الظرف الرد على المشركين المنكرين وقوع هذا التكوين بعد العدم .
ووصف القول بأنه الحق للرد على المشركين أيضا . وهذا القول هو عين المقول لفعل ( يقول كن ) وحذف المقول له ( كن ) لظهوره من المقام أي يقول لغير الموجود الكائن : كن . وقوله ( فيكون ) اعتراض أي يقول لما أراد تكوينه ( كن ) فيوجد المقول له ( كن ) عقب أمر التكوين