وحمل الزمخشري الظلم على ما يشمل المعاصي لأن المعصية ظلم للنفس كما في قوله تعالى ( فلا تظلموا فيهن أنفسكم ) تأويلا للآية على أصول الاعتزال لأن العاصي غير آمن من الخلود في النار فهو مساو للكافر في ذلك عندهم مع أنه جعل قوله ( الذين آمنوا ولم يلبسوا ) إلى آخره من كلام إبراهيم وهو إن كان محكيا من كلام إبراهيم لا يصح تفسير الظلم منه بالمعصية إذ لم يكن إبراهيم حينئذ داعيا إلا للتوحيد ولم تكن له بعد شريعة وإن كان غير محكي من كلامه فلا يناسب تفسيره فيه بالمعصية لأن تعقيب كلام إبراهيم به مقصود منه تأييد قوله وتبيينه فالحق أن الآية غير محتاجة للتأويل على أصولهم نظرا لهذا الذي ذكرناه .
والإشارة بقوله ( أولئك لهم الأمن ) للتنبيه على أن المسند إليه جدير بالمسند من أجل ما تقدم من أوصاف المسند إليه وهذا كقوله ( أولئك على هدى من ربهم ) .
وقوله ( لهم الأمن ) أشارت اللام إلى أن الأمن مختص بهم وثابت وهو أبلغ من أن يقال : آمنون . والمراد الأمن من عذاب الدنيا بالاستئصال ونحوه وما عذبت به الأمم الجاحدة ومن عذاب الآخرة إذ لم يكن مطلوبا منهم حينئذ إلا التوحيد .
والتعريف في ( الأمن ) تعريف الجنس وهو الأمن المتقدم ذكره لأنه جنس واحد وليس التعريف تعريف العهد حتى يجيء فيه قولهم : إن المعرفة إذا أعيدت معرفة فالثانية عين الأولى إذ لا يحتمل هنا غير ذلك .
وقوله ( وهم مهتدون ) معطوف على قوله ( لهم الأمن ) عطف جزء جملة على الجملة التي هي في حكم المفرد فيكون ( مهتدون ) خبرا ثانيا عن اسم الإشارة عطف عليه بالواو على إحدى الطريقتين في الأخبار المتكررة .
والضمير للفصل ليفيد قصر المسند على المسند إليه أي الاهتداء مقصور على الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم دون غيرهم أي أن غيرهم ليسوا بمهتدين على طريقة قوله تعالى ( وأولئك هم المفلحون ) وقوله ( ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ) . وفيه إشارة إلى أن المخبر عنهم لما نبذوا الشرك فقد اهتدوا .
A E ويجوز أن يكون قوله ( وهم مهتدون ) جملة بأن يكون ضمير الجمع مبتدأ و ( مهتدون ) خبره والجملة معطوفة على جملة ( أولئك لهم الأمن ) فيكون خبرا ثانيا عن اسم الموصول ويكون ذكر ضمير الجمع لأجل حسن العطف لأنه لما كان المعطوف عليه جملة اسمية لم يحسن أن يعطف عليه مفرد في معنى الفعل إذ لا يحسن أن يقال : أولئك لهم الأمن ومهتدون ؛ فصيغ المعطوف في صورة الجملة . وحينئذ فالضمير لا يفيد اختصاصا إذ لم يؤت به للفصل وهذا النظم نظير قوله تعالى ( له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ) وقوله تعالى ( له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير ) على اعتبار ( وهو على كل شيء قدير ) عطفا على ( له ملك السماوات والأرض ) وما بينهما حال وهذا من محسنات الوصل كما عرف في البلاغة وهو من بدائع نظم الكلام العربي .
( وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم [ 83 ] ) عطف على جملة ( وحاجه قومه ) . ( وتلك ) إشارة إلى جميع ما تكلم به إبراهيم في محاجة قومه وأتي باسم إشارة المؤنث لأن المشار إليه حجة فأخبر عنه بحجة فلما لم يكن مشار إليه محسوس تعين أن يعتبر في الإشارة لفظ الخبر لا غير كقوله تعالى ( تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ) .
وإضافة الحجة إلى اسم الجلالة للتنويه بشأنها وصحتها .
و ( آتيناها ) في موضع الحال من اسم الإشارة أو من الخبر .
وحقيقة الإيتاء الإعطاء فحقه أن يتعدى إلى الذوات ويكون بمناولة اليد إلى اليد . قال تعالى ( وآتى المال على حبه ذوي القربى ) ولذلك يقال : اليد العليا هي المعطية واليد السفلى هي المعطاة . ويستعمل مجازا شائعا في تعليم العلوم وإفادة الآداب الصالحة وتخويلها وتعيينها لأحد دون مناولة يد سواء كانت الأمور الممنوحة ذواتا أم معاني . يقال : آتاه الله مالا ويقال : آتاه الخليفة إمارة ( وآتاه الله الملك وآتيناه الحكمة ) . فإيتاء الحجة إلهامه إياها وإلقاء ما يعبر عنها في نفسه وهو فضل من الله على إبراهيم إذ نصره على مناظريه