وعدل عن ضمير المتكلم إلى اسم الجلالة الظاهر لقرن هذا الخبر بالمهابة والجلالة .
A E وقوله ( فبهداهم اقتده ) تفريع على كمال ذلك الهدى وتخلص إلى ذكر حظ محمد صلى الله عليه وسلم من هدى الله بعد أن قدم قبله مسهب ذكر الأنبياء وهديهم إشارة إلى علو منزلة محمد صلى الله عليه وسلم وأنها منزلة جديرة بالتخصيص بالذكر حيث لم يذكر مع الأنبياء المتقدمين وأنه جمع هدى الأولين وأكملت له الفضائل وجمع له ما تفرق من الخصائص والمزايا العظيمة . وفي إفراده بالذكر وترك عده مع الأولين رمز بديع إلى فذاذته وتفرد مقداره ورعي بديع لحال مجيء رسالته بعد مرور تلك العصور المتباعدة أو المتجاورة ولذلك قدم امجرور وهو ( بهداهم ) على عامله للاهتمام بذلك الهدى لأنه هو منزلتك الجامعة للفضائل والمزايا فلا يليق به الاقتداء بهدى هو دون هداهم . ولأجل هذا لم يسبق للنبي صلى الله عليه وسلم اقتداء بأحد ممن تحنفوا في الجاهلية أو تتنصروا أو تهودوا . فقد لقي النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن عمرو بن نفيل قبل النبوة في بلده وعرض عليه أن يأكل معه من سفرته فقال زيد " إني لا آكل مما تذبحون على أنصابكم " توهما منه أن النبي صلى الله عليه وسلم يدين بدين الجاهلية وألهم الله محمدا E السكوت عن إجابته إلهاما لحفظ السر المدخر فلم يقل له إني لا أذبح على نصب . ولقي ورقة بن نوفل غير مرة بمكة . ولقي بحيرا الراهب . ولم يقتد بأحد من أولئك وبقي على الفطرة إلى أن جاءته الرسالة .
والاقتداء افتعال من القدوة بضم القاف وكسرها وقياسه على الإسوة يقتضي أن الكسر فيه أشهر . وقال في المصباح : الضم أكثر . ووقع في المقامات للحريري " وقدوة الشحاذين " فضبط بالضم . وذكره الواسطي في شرح ألفاظ المقامات في القاف المضمومة وروى فيه فتح القاف أيضا وهو نادر . والقدوة هو الذي يعمل غيره مثل عمله ولا يعرف له في اللغة فعل مجرد فلم يسمع إلا اقتدى . وكأنهم اعتبروا القدوة اسما جامدا واشتقوا منه الافتعال للدلالة على التكلف كما اشتقوا من اسم الخريف اخترف ومن الأسوة ائتسى وكما اشتقوا من اسم النمر تنمر ومن الحجر تحجر . وقد تستعمل القدوة اسم مصدر لاقتدى . يقال : لي في فلان قدوة كما في قوله تعالى ( لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة ) .
وفي قوله ( فبهداهم اقتده ) تعريض للمشركين بأن محمدا صلى الله عليه وسلم ما جاء إلا على سنة الرسل كلهم وأنه ما كان بدعا من الرسل .
وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بهداهم يؤذن بأن الله زوى إليه فضيلة من فضائلهم التي اختص كل واحد بها سواء ما اتفق منه واتحد أو اختلف وافترق فإنما يقتدى بما أطلعه الله عليه من فضائل الرسل وسيرهم وهو الخلق الموصوف بالعظيم في قوله تعالى ( وإنك لعلى خلق عظيم ) .
ويشمل هداهم ما كان منه راجعا إلى أصول الشرائع وما كان منه راجعا إلى زكاء النفس وحسن الخلق . وأما ما كان منه تفاريع عن ذلك وأحكاما جزئية من كل ما أبلغه الله إياه بالوحي ولم يأمره باتباعه في الإسلام ولا بين له نسخه فقد اختلف علماؤنا في أن الشرائع الإلهية السابقة هل تعتبر أحكامها من شريعة الإسلام إذا أبلغها الله إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يجعل في شريعته ما ينسخها .
A E