والفاء في قوله ( فإن يكفر ) عاطفة جملة الشرط على جملة ( أولئك الذين آتيناهم الكتاب ) عقبت بجملة الشرط وفرعت عليها لأن الغرض من الجمل السابقة من قوله ( وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر ) هو تشويه أمر الشرك بالاستدلال على فساده بنبذ أهل الفضل والخير إياهن فكان للفاء العاطفة عقب ذلك موقع بديع من أحكام نظم الكلام .
وضمير ( بها ) عائد إلى المذكورات : الكتاب والحكم والنبوة .
والإشارة في قوله ( هؤلاء ) إلى المشركين من أهل مكة وهي إشارة إلى حاضر في أذهان السامعين كما ورد في حديث سؤال القبر " فيقال له ما علمك بهذا الرجل " " يعني النبي صلى الله عليه وسلم " . وفي البخاري قال الأحنف بن قيس : ذهبت لأنصر هذا الرجل " يعني علي بن أبي طالب " .
وقد تقصيت مواقع آي القرآن فوجدته يعبر عن مشركي قريش كثيرا بكلمة " هؤلاء " كقوله ( بل متعت هؤلاء وآباءهم ) ولم أر من نبه عليه من قبل .
وكفر المشركين بنبوءة أولئك الأنبياء تابع لكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ولذلك حكى الله عنهم بعد أنهم ( قالوا ما أنزل الله على بشر من شئ ) .
A E ومعنى ( وكلنا بها ) وفقنا للإيمان بها ومراعاتها والقيام بحقها . فالتوكيل هنا استعارة لأن حقيقة التوكيل إسناد صاحب الشيء تدبير شيئه إلى من يتولى تدبيره ويكفيه كلفة حفظه ورعاية ما به بقاؤه وصلاحه ونماؤه . يقال : وكلته على الشيء ووكلته بالشيء فيتعدى بعلى وبالباء . وقد استعير في هذه الآية للتوفيق إلى الإيمان بالنبوءة والكتاب والحكم والنظر في ما تدعو إليه ورعايته تشبيها لتلك الرعاية برعاية الوكيل وتشبيها للتوفيق إليها بإسناد النظر إلى الوكيل لأن الوكالة تقتضي وجود الشيء الموكل بيد الوكيل مع حفظه ورعايته فكانت استعارة ( وكلنا ) لهذا المعنى إيجازا بديعا يقابل ما يتضمنه معنى الكفر بها من إنكارها الذي فيه إضاعة حدودها .
والقوم هم المؤمنون الذين آمنوا برسالة محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن وبمن قبله من الرسل وما جاءهم من الكتب والحكم والنبوءة . والمقصود الأول منهم المؤمنون الذين كانوا بمكة ومن آمن من الأنصار بالمدينة إذ كانت هذه السورة قد نزلت قبيل الهجرة . وقد فسر في الكشاف القوم بالأنبياء المتقدم ذكرهم وادعى أن نظم الآية حمله عليه وهو تكلف لا حامل إليه .
ووصف القوم بأنهم ( ليسوا بها بكافرين ) للدلالة على أنهم سارعوا إلى الإيمان بها بمجرد دعوتهم إلى ذلك فلذلك جيء في وصفهم بالجملة الاسمية المؤلفة من اسم ( ليس ) وخبرها لأن ليس بمنزلة حرف نفي إذ هي فعل غير متصرف فجملتها تدل على دوام نفي الكفر عنهم وأدخلت الباء في خبر ( ليس ) لتأكيد ذلك النفي فصار دوام نفي مؤكدا .
والمعنى إن يكفر المشركون بنبوءتك ونبوءة من قبلك فلا يضرك كفرهم لأنا قد وفقنا قوما مؤمنين للإيمان بك وبهم فهذا تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم على إعراض بعض قومه عن دعوته .
وتقديم المجرور على عامله في قوله ( ليسوا بها بكافرين ) لرعاية الفاصلة مع الاهتمام بمعاد الضمير : الكتاب والحكم والنبوة .
( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ) جملة ابتدائية قصد من استئنافها استقلالها للاهتمام بمضمونها ولأنها وقعت موقع التكرير لمضمون الجملتين التين قبلها : جملة ( وهديناهم إلى صراط مستقيم ) وجملة ( أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوءة ) . وحق التكرير أن يكون مفصولا وليبنى عليها التفريع في قوله ( فبهداهم اقتده ) . والمشار إليهم باسم الإشارة هم المشار إليهم بقوله ( أولئك الذين آتيانهم الكتاب والحكم والنبوة ) فإنهم الذين أمر نبينا صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بهداهم .
وتكرير اسم الإشارة لتأكيد تمييز المشار إليه ولما يقتضبه التكرير من الاهتمام بالخبر .
وأفاد تعريف المسند والمسند إليه قصر جنس الذين هداهم الله على المذكورين تفصيلا وإجمالا لأن المهذبين من البشر لا يعدون أن يكونوا أولئك المسمين ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم فإن من آبائهم آدم وهو الأب الجامع للبشر كلهم فأريد بالهدى هدى البشر أي الصرف عن الضلالة فالقصر حقيقي . ولا نظر لصلاح الملائكة لأنه صلاح جبلي