هذه الجملة معطوفة على جملة : ( أفغير الله أبتغي حكما ) لأن تلك الجملة مقول قول مقدر إذ التقدير : قل أفغير الله أبتغي حكما باعتبار ما في تلك الجملة من قوله : ( وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا ) فلما وصف الكتاب بأنه منزل من الله ووصف بوضوح الدلالة بقوله : ( وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا ) ثم بشهادة علماء أهل الكتاب بأنه من عند الله بقوله : ( والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك ) أعلم رسوله E والمؤمنين بأن هذا الكتاب تام الدلالة ناهض الحجة على كل فريق : من مؤمن وكافر صادق وعده ووعيده عادل أمره ونهيه . ويجوز أن تكون معطوفة على جملة : ( جعلنا لكل نبي عدوا ) وما بينهما اعتراض كما سنبينه .
والمراد بالتمام معنى مجازي : إما بمعنى بلوغ الشيء إلى أحسن ما يبلغه مما يراد منه فإن التمام حقيقته كون الشيء وافرا أجزاءه والنقصان كونه فاقدا بعض أجزائه فيستعار لوفرة الصفات التي تراد من نوعه ؛ وإما بمعنى التحقق فقد يطلق التمام على حصول المنتظر وتحققه يقال : تم ما اخبر به فلان ويقال : أتم وعدهن أي حققه ومنه قوله تعالى : ( وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن ) أي عمل بهن دون تقصير ولا ترخص وقوله تعالى : ( وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ) أي ظهر وعده لهم بقوله : ( ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ) الآية ومن هذا المعنى قوله تعالى : ( والله متم نوره ) أي محقق دينه ومثبته لأنه جعل الإتمام في مقابلة الإطفاء المستعمل في الإزالة مجازا أيضا .
وقوله ( كلمات ربك ) قرأه الجمهور بصيغة الجمع وقرأه عاصم وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف : كلمة بالإفراد فقيل : المراد بالكلمات أو الكلمة القرآن وهو قول جمهور المفسرين ونقل عن قتادة وهو الأظهر المناسب لجعل الجملة معطوفة على جملة : ( والذين آتيناهم الكتاب ) . فأما على قراءة الإفراد فإطلاق الكلمة على القرآن باعتبار أنه كتاب من عند الله فهو من كلامه وقوله والكلمة والكلام يترادفان ويقول العرب : كلمة زهير يعنون قصيدته وقد أطلق في القرآن " الكلمات " على الكتب السماوية في قوله تعالى : ( فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته ) أي كتبه . وأما على قراءة الكلمات بالجمع فإطلاقها على القرآن باعتبار ما يشتمل عليه من الجمل والآيات أو باعتبار أنواع أغراضه من أمر ونهي وتبشير وإنذار ومواعظ وإخبار واحتجاج وإرشاد وغير ذلك . ومعنى تمامها أن كل غرض جاء في القرآن فقد جاء وافيا بما يتطلبه القاصد منه . واستبعد ابن عطية أن يكون المراد من ( كلمات ربك ) بالجمع أو الإفراد القرآن واستظهر أن المراد منها : قول الله أي نفذ قوله وحكمه . وقريب منه ما أثر عن ابن عباس أنه قال : كلمات الله وعده . وقيل : كلمات الله : أمره ونهيه ووعده ووعيده وفسر به في الكشاف وهو قريب من كلام ابن عطية لكن السياق يشهد بأن تفسير الكلمات بالقرآن أظهر .
وانتصب ( صدقا وعدلا ) على الحال عند أبي علي الفارسي بتأويل المصدر باسم الفاعل أي صادقة وعادلة فهو حال من ( كلمات ) وهو المناسب لكون التمام بمعنى التحقق . وجعلهما الطبري منصوبين على التمييز أي تمييز النسبة أي تمت من جهة الصدق والعدل فكأنه قال : تم صدقها وعدلها وهو المناسب لكون التمام بمعنى بلوغ الشيء أحسن ما يطلب من نوعه . وقال ابن عطية : هذا غير صواب . وقلت : لا وجه لعدم تصويبه .
والصدق : المطابقة للواقع في الإخبار وتحقيق الخبر في الوعد والوعيد والنفوذ في الأمر والنهي فيشمل الصدق كلما ما في كلمات الله من نوع الإخبار عن شؤون الله وشؤون الخلائق .
ويطلق الصدق مجازا على كون الشيء كاملا في خصائص نوعه .
والعدل : إعطاء من يستحق ما يستحق ودفع الاعتداء والظلم على المظلوم وتدبير أمور الناس بما فيه صلاحهم . وتقدم بيانه عند قوله تعالى : ( وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ) في سورة النساء .
فيشمل العدل كل ما في كلمات الله : من تدبير شؤون الخلائق في الدنيا والآخرة .
A E