والمراد بالكتاب القرآن والتعريف للعهد الحضوري والضمير في ( إليكم ) خطاب للمشركين فإن القرآن أنزل إلى الناس كلهم للاهتداء به فكما قال الله : ( بما أنزل إليك أنزله بعلمه ) قال : ( يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا ) . وفي قوله : ( إليكم ) هنا تسجيل عليهم بأنه قد بلغهم فلا يستطيعون تجاهلا .
والمفصل المبين : وقد تقدم ذكر التفصيل عند قوله تعالى : ( وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين ) في هذه السورة .
وجملة ( والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل ) معطوفة على القول المحذوف فتكون استئنافا مثله أو معطوفة على جملة ( أفغير الله أبتغي ) أو على جملة ( وهو الذي أنزل إليكم الكتاب ) فهو عطف تلقين عطف به الكلام المنسوب إلى الله على الكلام المنسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم تعضيدا لما اشتمل عليه الكلام المنسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم من كون القرآن حقا وأنه من عند الله .
والمراد بالذين آتاهم الله الكتاب : أحبار اليهود لأن الكتاب هو التوراة المعروف عند عامة العرب وخاصة أهل مكة لتردد اليهود عليها في التجارة . ولتردد أهل مكة على منازل اليهود بيثرب وقراها . ولكون المقصود بهذا الحكم أحبار اليهود خاصة قال : ( آتيناهم الكتاب ) ولم يقل : أهل الكتاب .
ومعنى علم الذين أوتوا الكتاب بأن القرآن منزل من الله : أنهم يجدونه مصدقا لما في كتابهم وهم يعلمون أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يدرس كتابهم على أحد منهم إذ لو درسه لشاع أمره بينهم ولأعلنوا ذلك بين الناس حين ظهور دعوته وهم أحرص على ذلك ولم يدعوه . وعلمهم بذلك لا يقتضي إسلامهم لأن العناد والحسد يصدانهم عن ذلك . وقيل : المراد بالذين آتاهم الله الكتاب : من أسلموا من أحبار اليهود مثل عبد الله بن سلام ومخيريق فيكون الموصول في قوله : ( والذين آتيناهم الكتاب ) لعهد . وعن عطاء : ( والذين آتيناهم الكتاب ) . هم رؤساء أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم : أبو بكر وعمر وعثمان وعلي فيكون الكتاب هو القرآن .
وضمير ( أنه ) عائد إلى الكتاب الذي في قوله ( وهو الذي أنزل إليكم الكتاب ) وهو القرآن .
والباء في قوله ( بالحق ) للملابسة أي ملابسا للحق وهي ملابسة الدال للمدلول لأن معانيه وأخباره ووعده ووعيده وكل ما اشتمل عليه حق .
وقرأ الجمهور ( منزل ) بتخفيف الزاي . وقرأ ابن عامر وحفص بالتشديد والمعنى متقارب أو متحد كما تقدم في قوله تعالى : ( نزل عليك الكتاب بالحق ) في أول سورة آل عمران .
والخطاب في قوله ( فلا تكونن من الممترين ) يحتمل أن يكون خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم فيكون التفريع على قوله : ( يعلمون أنه منزل من ربك بالحق ) أي فلا تكن من الممترين في أنهم يعلمون ذلك والمقصود تأكيد الخبر كقول القائل بعد الخبر : هذا ما لا شك فيه فالامتراء المنفي هو الامتراء في أن أهل الكتاب يعلمون ذلك لأن غريبا اجتماع علمهم وكفرهم به ويجوز أن يكون خطابا لغير معين ليعم كل من يحتاج إلى مثل هذا الخطاب أي فلا تكونن أيها السامع من الممترين أي الشاكين في كون القرآن من عند الله فيكون التفريع على قوله : ( منزل من ربك بالحق ) أي فهذا أمر قد اتضح فلا تكن من الممترين فيه . ويحتمل أن يكون المخاطب الرسول E والمقصود من الكلام المشركون الممترون على طريقة التعريض كما يقال : " إياك أعني واسمعي يا جارة " . ومنه قوله تعالى ( ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ) . وهذا الوجه هو أحسن الوجوه والتفريع فيه كما في الوجه الثاني .
وعلى كل الوجوه كان حذف متعلق الامتراء لظهوره من المقام تعويلا على القرينة وإذ قد كانت هذه الوجوه الثلاثة غير متعارضة صح أن يكون جميعها مقصودا من الآية لتذهب أفهام السامعين إلى ما تتوصل إليه منها . وهذا فيما أرى من مقاصد إيجاز القرآن وهو معنى الكلام الجامع ويجيء مثله في آيات كثيرة وهو من خصائص القرآن .
( وتمت كلمات ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم [ 115 ] ) A E