فذكر هاتين الصفتين هنا : وعيد لمن شملته آيات الذم السابقة ووعد لمن أمر بالإعراض عنهم وعن افترائهم وبالتحاكم معهم إلى الله والذين يعلمون أن الله أنزل كتابه بالحق .
A E ( وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون [ 116 ] ) أعقب ذكر عناد المشركين وعداوتهم للرسول A وولايتهم للشياطين ورضاهم بما توسوس لهم شياطين الجن والإنس واقترافهم السيئات طاعة لأوليائهم وما طمأن به قلب الرسول صلى الله عليه وسلم من أنه لقي سنة الأنبياء قبله من آثار عداوة شياطين الإنس والجن بذكر ما يهون على الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين ما يرونه من كثرة المشركين وعزتهم ومن قلة المسلمين وضعفهم مع تحذيرهم من الثقة بقولهم والإرشاد إلى مخالفتهم في سائر أحوالهم وعدم الإصغاء إلى رأيهم لأنهم يضلون عن سبيل الله وأمرهم بأن يلزموا ما يرشدهم الله إليه . فجملة : ( وإن تطع ) متصلة بجملة : ( وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن ) وبجملة : ( أفغير الله أبتغي حكما ) وما بعدها إلى : ( وهو السميع العليم ) .
والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمقصود به المسلمون مثل قوله تعالى : ( لئن أشركت ليحبطن عملك ) .
وجيء مع فعل الشرط بحرف ( إن ) الذي الأصل فيه أن يكون في الشرط النادر الوقوع أو الممتنع إذا كان ذكره على سبيل الفرض كما يفرض المحال والظاهر أن المشركين لما أيسوا من ارتداد المسلمين كما أنبأ بذلك قوله تعالى : ( قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ) الآية جعلوا يلقون على المسلمين الشبه والشكوك في أحكام دينهم كما أشار إليه قوله تعالى عقب هذا : ( وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون ) . وقد روى الطبري عن ابن عباس وعكرمة : أن المشركين قالوا : " يا محمد أخبرنا عن الشاة إذا ماتت من قتلها " يريدون أكل الشاة إذا ماتت حتف أنفها دون ذبح " قال الله قتلها فتزعم أن ما قتلت أنت وأصحابك حلال وما قتل الكلب والصقر حلال وما قتله الله حرام " فوقع في نفس ناس من المسلمين من ذلك شيء " وفي سنن الترمذي عن ابن عباس : قال : " أتى أناس النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله أنأكل ما نقتل ولا نأكل ما يقتل الله " فأنزل الله : ( فكلوا مما ذكر اسم الله عليه ) الآية . قال الترمذي : هذا حديث حسن غريب . فمن هذا ونحوه حذر الله المسلمين من هؤلاء وثبتهم على أنهم على الحق وإن كانوا قليلا . كما تقدم في قوله ( قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث ) .
والطاعة : اسم للطوع الذي هو مصدر طاع يطوع بمعنى انقاد وفعل ما يؤمر به عن رضى دون ممانعة فالطاعة ضد الكره . ويقال : طاع وأطاع وتستعمل مجازا في قبول القول ومنه ما جاء في الحديث : " فإن هم طاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم زكاة أموالهم " ومنه قوله تعالى : ( ولا شفيع يطاع ) أي يقبل قوله وإلا فإن المشفوع إليه أرفع من الشفيع فليس المعنى أنه يمتثل إليه . والطاعة هنا مستعملة في هذا المعنى المجازي وهو قبول القول .
و ( أكثر من في الأرض ) هم أكثر سكان الأرض .
والأرض : يطلق على جميع الكرة الأرضية التي يعيش على وجهها الإنسان والحيوان والنبات وهي الدنيا كلها . ويطلق الأرض على جزء من الكرة الأرضية معهود بين المخاطبين وهو إطلاق شائع كما في قوله تعالى : ( وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض ) يعني الأرض المقدسة وقوله : ( أو ينفوا من الأرض ) أي الأرض التي حاربوا الله فيها . والأظهر أن المراد في الآية المعنى المشهور وهو جميع الكرة الأرضية كما هو غالب استعمالها في القرآن . وقيل : أريد بها مكة لأنها الأرض المعهودة للرسول E . وأيا ما كان فأكثر من في الأرض ضالون مضلون : أما الكرة الأرضية فلأن جمهرة سكانها أهل عقائد ضالة وقوانين غير عادلة .
A E