والضمير في قوله " ( هو أعلم ) ضمير الفصل لإفادة قصر المسند على المسند إليه فالأعلمية بالضالين والمهتدين مقصورة على الله تعالى لا يشاركه فيها غيره ووجه هذا القصر أن الناس لا يشكون في أن علمهم بالضالين والمهتدين علم قاصر لأن كل أحد إذا علم بعض أحوال الناس تخفى عليهم أحوال كثير من الناس وكلهم يعلم قصور علمه ويتحقق أن ثمة من هو أعلم من العالم منهم لكن المشركين يحسبون أن الأعلمية وصف لله تعالى ولآلهتهم فنفي بالقصر أن يكون أحد يشارك الله في وصف الأعلمية المطلقة .
و ( من ) موصولة وإعرابها نصب بنزع الخافض وهو الباء كما دل عليه وجود الباء في قوله ( وهو أعلم بالمهتدين ) لأن أفعل التفضيل لا ينصب بنفسه مفعولا به لضعف شبهه بالفعل بل إنما يتعدى إلى المفعول بالباء أو باللام أو بإلى ونصبه المفعول نادر وحقه هنا أن يعدى بالباء فحذفت الباء إيجاز حذف تعويلا على القرينة . وإنما حذف الحرف من الجملة الأولى وأظهر في الثانية دون العكس مع أن شأن القرينة أن تتقدم لأن أفعل التفضيل يضاف إلى جمع يكون المفضل واحدا منهم نحو : هو أعلم العلماء وأكرم الأسخياء فلما كان المنصوبان فيهما غير ظاهر عليهما الإعراب يلتبس المفعول بالمضاف إليه وذلك غير ملتبس في الجملة الأولى لأن الصلة فيها دالة على أن المراد أن الله أعلم بهم فلا يتوهم أن يكون المعنى : الله أعلم الضالين عن سبيله أي أعلم عالم منهم إذ لا يخطر ببال سامع أن يقال : فلان أعلم الجاهلين لأنه كلام متناقض فإن الضلال جهالة ففساد المعنى يكون قرينة على إرادة المعنى المستقيم وذلك من أنواع القرينة الحالية بخلاف ما لو قال : وهو أعلم المهتدين فقد يتوهم السامع أن المراد أن الله أعلم المهتدين أي أقوى المهتدين علما لأن الاهتداء من العلم . هذا ما لاح لي في نكتة تجريد قوله : ( هو أعلم من يضل عن سبيله ) من حرف الجر الذي يتعدى به ( أعلم ) .
( فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين [ 118 ] ) هذا تخلص من محاجة المشركين وبيان ضلالهم المذيل بقوله ( إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ) . انتقل الكلام من ذلك إلى تبيين شرائع هدى للمهتدين وإبطال شرائع شرعها المضلون تبيينا يزيل التشابه والاختلاط . ولذلك خللت الأحكام المشروعة للمسلمين بأضدادها التي كان شرعها المشركون وسلفهم .
وما تشعر به الفاء من التفريع يقضي باتصال هذه الجملة بالتي قبلها ووجه ذلك : أن قوله تعالى : ( وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله ) تضمن إبطال ما ألقاه المشركون من الشبهة على المسلمين : في تحريم الميتة إذ قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم " تزعم أن ما قتلت أنت وأصحابك وما قتل الكلب والصقر حلال أكله وأن ما قتل الله حرام " وأن ذلك مما شمله قوله تعالى : ( وإن هم إلا يخرصون ) فلما نهى الله عن اتباعهم وسمى شرائعهم خرصا فرع عليه هنا الأمر بأكل ما ذكر اسم الله عليه أي عند قتله أي ما نحو أو ذبح وذكر اسم الله عليه والنهي عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه ومنه الميتة فإن الميتة لا يذكر اسم الله عليها ولذلك عقبت هذه الآية بآية : ( وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعمتموهم إنكم لمشركون ) .
فتبين أن الفاء للتفريع على معلوم من المراد من الآية السابقة .
والأمر في قوله : ( فكلوا ) للإباحة . ولما لم يكن يخطر ببال أحد أن ما ذكر اسم الله عليه يحرم أكله لأن هذا لم يكن معروفا عند المسلمين ولا عند المشركين علم أن المقصود من الإباحة ليس رفع الحرج ولكن بيان ما هو المباح وتمييزه عن ضده من الميتة وما ذبح على النصب . والخطاب للمسلمين .
وقوله : ( مما ذكر اسم الله عليه ) دل على أن الموصول صادق عن الذبيحة لأن العرب كانوا يذكرون عند الذبح أو النحر اسم المقصود بتلك الذكاة يجهرون بذكر اسمه ولذلك قيل فيه : أهل به لغير الله أي أعلن . والمعنى كلوا المذكى ولا تأكلوا الميتة فما ذكر اسم الله عليه كناية عن المذبوح لأن التسمية إنما تكون عند الذبح .
A E