وجملة : ( إن يتبعون إلا الظن ) استئناف بياني نشأ عن قوله : ( يضلوك عن سبيل الله ) فبين سبب ضلالهم : أنهم اتبعوا الشبهة من غير تأمل في مفاسدها فالمراد بالظن ظن أسلافهم كما أشعر به ظاهر قوله ( يتبعون ) .
وجملة ( وإن هم إلا يخرصون ) عطف على جملة : ( إن يتبعون إلا الظن ) . ووجود حرف العطف يمنع أن تكون هذه الجملة تأكيدا للجملة التي قبلها أو تفسيرا لها فتعين أن المراد بهذه الجملة غير المراد بجملة : ( إن يتبعون إلا الظن ) .
وقد ترددت آراء المفسرين في محمل قوله : ( وإن هم إلا يخرصون ) ؛ فقيل : يخرصون يكذبون فيما ادعوا أن ما اتبعوه يقين وقيل : الظن ظنهم أن آباءهم على الحق . والخرص : تقديرهم أنفسهم على الحق .
والوجه : أن محمل الجملة الأولى على ما تلقوه من أسلافهم كما أشعر به قوله ( يتبعون ) وأن محمل الجملة الثانية على ما يستنبطونه من الزيادات على ما ترك لهم أسلافهم وعلى شبهاتهم التي يحسبونها أدلة مفحمة كقولهم : " كيف نأكل ما قتلناه وقتله الكلب والصقر ولا نأكل ما قتله الله " كما تقدم آنفا كما أشعر به فعل : ( يخرصون ) من معنى التقدير والتأمل .
والخرص : الظن الناشئ عن وجدان في النفس مستند إلى تقريب ولا يستند إلى دليل يشترك العقلاء فيه وهو يرادف : الحزر والتخمين ومنه خرص النخل والكرم اي تقدير ما فيه من الثمرة بحسب ما يجده الناظر فيما تعوده . وإطلاق الخرص على ظنونهم الباطلة في غاية الرشاقة لأنها ظنون لا دليل عليها غير ما حسن لظانيها . ومن المفسرين وأهل اللغة من فسر الخرص بالكذب وهو تفسير قاصر نظر أصحابه إلى حاصل ما يفيده السياق في نحو هذه الآية ونحو قوله ( قتل الخراصون ) ؛ وليس السياق لوصف أكثر من في الأرض بأنهم كاذبون بل لوصمهم بأنهم يأخذون الاعتقاد من الدلائل الوهمية فالخرص ما كان غير علم قال تعالى ( ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون ) ولو أريد وصفهم بالكذب لكان لفظ " يكذبون " أصرح من لفظ ( يخرصون ) .
واعلم أن السياق اقتضى ذم الاستدلال بالخرص لأنه حزر وتخمين لا ينضبط ويعارضه ما ورد عن عتاب بن أسيد قال : " أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرص العنب كما يخرص التمر " . فأخذ به مالك والشافعي ومحمله على الرخصة تيسيرا على أرباب النخيل والكروم لينتفعوا بأكل ثمارهم رطبة فتؤخذ الزكاة منهم على ما يقدره الخرص . وكذلك في قسمة الثمار بين الشركاء وكذلك في العرية يشتريها المعري ممن أعراه وخالف أبو حنيفة في ذلك وجعل حديث عتاب منسوخا .
( إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين [ 117 ] ) تعليل لقوله : ( وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك ) لأن مضمونه التحذير من نزغاتهم وتوقع التضليل منهم وهو يقتضي أن المسلمين يريدون الاهتداء فليجتنبوا الضالين وليهتدوا بالله الذي يهديهم . وكذلك شأن ( إن ) إذا جاءت في خبر لا يحتاج لرد الشك أو الإنكار : أن تفيد تأكيد الخبر ووصله بالذي قبله بحيث تغني غناء فاء التفريع وتفيد التعليل . ولما اشتملت الآيات المتقدمة على بيان ضلال الضالين وهدى المهتدين كان قوله : ( إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ) تذييلا لجميع تلك الأغراض .
وتعريف المسند إليه بالإضافة في قوله : ( إن ربك ) لتشريف المضاف إليه وإظهار أن هدي الرسول عليه الصلاة والسلام هو الهدى وأن الذين أخبر عنهم بأنهم مضلون لا حظ لهم في الهدى لأنهم لم يتخذوا الله ربا لهم . وقد قال أبو سفيان يوم أحد : " لنا العزى ولا عزى لكم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أجيبوه قولوا " : الله مولانا ولا مولى لكم " .
و ( أعلم ) اسم تفضيل للدلالة على أن الله لا يعزب عن علمه أحد من الضالين ولا أحد من المهتدين وأن غير الله قد يعلم بعض المهتدين وبعض المضلين ويفوته علم كثير من الفريقين وتخفى عليه دخيلة بعض الفريقين .
A E