وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ويعقوب : ( ليضلون ) بفتح الياء على أنهم ضالون في أنفسهم وقرأه عاصم وحمزة والكسائي وخلف : بضم الياء على معنى أنهم يضللون الناس والمعنى واحد لأن الضال من شأنه أن يضل غيره ولأن المضل لا يكون في الغالب إلا ضالا إلا إذا قصد التغرير بغيره . والمقصود التحذير منهم وذلك حاصل على القراءتين .
A E والباء في ( بأهوائهم ) للسببية على القراءتين . والباء في ( بغير علم ) للملابسة أي يضلون منقادين للهوى ملابسين لعدم العلم .
والمراد بالعلم : الجزم المطابق للواقع عن دليل وهذا كقوله تعالى : ( إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ) . ومن هؤلاء قادة المشركين في القديم مثل عمرو بن لحي أول من سن لهم عبادة الأصنام وبحر البحيرة وسيب السائبة وحمى الحامي ومن بعده مثل الذين قالوا : " ما قتل الله أولى بأن نأكله مما قتلنا بأيدينا " .
وقوله : ( إن ربك هو أعلم بالمعتدين ) تذييل وفيه إعلام للرسول صلى الله عليه وسلم بتوعد الله هؤلاء الضالين المضلين فالإخبار بعلم الله بهم كناية عن أخذه إياهم بالعقوبة وأنه لا يفلتهم لأن كونه عالما بهم لا يحتاج إلى الإخبار به . وهو وعيد لهم أيضا لأنهم يسمعون القرآن ويقرأ عليهم حين الدعوة .
وذكر المعتدين عقب ذكر الضالين قرينة على أنهم المراد وإلا لم يكن لانتظام الكلام مناسبة فكأنه قال : إن ربك هو أعلم بهم وهم معتدون وسماهم الله معتدين . والاعتداء : الظلم لأنهم تقلدوا الضلال من دون حجة ولا نظر فكانوا معتدين على أنفسهم ومعتدين على كل من دعوه إلى موافقتهم .
وقد أشار هذا إلى أن كل من تكلم في الدين بما لا يعلمه أو دعا الناس إلى شيء لا يعلم أنه حق أو باطل فهو معتد ظالم لنفسه وللناس وكذلك كل من أفتى وليس هو بكفء للإفتاء .
( وذروا ظاهر الإثم وباطنه ) جملة معترضة والواو اعتراضية والمعنى : إن أردتم الزهد والتقرب إلى الله فتقربوا إليه بترك الإثم لا بترك المباح . وهذا في معنى قوله تعالى : ( ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله ) الآية .
وتقدم القول على فعل ( ذر ) عند قوله تعالى : ( وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا ) . في هذه السورة . والإثم تقدم الكلام عليه عند قوله تعالى : ( قل فيهما إثم كبير ) في سورة البقرة .
والتعريف في الإثم : تعريف الاستغراق لأنه في المعنى تعريف للظاهر وللباطن منه والمقصود من هذين الوصفين تعميم أفراد الإثم لانحصارها في هذين الوصفين كما يقال : المشرق والمغرب والبر والبحر لقصد استغراق الجهات .
وظاهر الإثم ما يراه الناس وباطنه ما لا يطلع عليه الناس ويقع في السر وقد استوعب هذا الأمر ترك جميع المعاصي . وقد كان كثير من العرب يراءون الناس بعمل الخير فإذا خلوا ارتكبوا الآثام وفي بعضهم جاء قوله تعالى : ( ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد ) .
( إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون [ 120 ] ) تعليل للأمر بترك الإثم وإنذار وإعذار للمأمورين ولذلك أكد الخبر ب ( إن ) وهي في مثل هذا المقام أي مقام تعقيب الأمر أو الإخبار تفيد معنى التعليل وتغنى عن الفاء ومثالها المشهور قول بشار : .
" إن ذاك النجاح في التبكير وإظهار لفظ الإثم في مقام إضماره إذ لم يقل : إن الذين يكسبونه لزيادة التنديد بالإثم وليستقر في ذهن السامع أكمل استقرار ولتكون الجملة مستقلة فتسير مسير الأمثال والحكم .
وحرف السين الموضوع للخبر المستقبل مستعمل هنا في تحقق الوقوع واستمراره .
ولما جاء في المذنبين فعل يكسبون المتعدي إلى الإثم جاء في صلة جزائهم بفعل ( يقترفون ) لأن الاقتراف إذا أطلق فالمراد به اكتساب الإثم كما تقدم آنفا في قوله تعالى : ( وليقترفوا ما هم مقترفون )