وب سایت رسمی مجمع جهانى تقريب مذاهب اسلامى

اهم اخبار تقریب مذاهب اسلامی

مجمع جهانى تقريب مذاهب اسلامى
سایت رسمی مجمع جهانى تقريب مذاهب اسلامى

عطف على جملة : ( كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون ) فلها حكم الاستئناف البياني لبيان سبب آخر من أسباب استمرار المشركين على ضلالهم وذلك هو مكر أكابر قريتهم بالرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين وصرفهم الحيل لصد الدهماء عن متابعة دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم . والمشار إليه بقوله ( وكذلك ) أولياء الشياطين بتأويل ( كذلك ) المذكور .
والمعنى : ومثل هذا الجعل الذي جعلناه لمشركي مكة جعلنا في كل قرية مضت أكابر يصدون عن الخير فشبه أكابر المجرمين من أهل مكة في الشرك بأكابر المجرمين في أهل القرى في الأمم الأخرى أي أن أمر هؤلاء ليس ببدع ولا خاص بأعداء هذا الدين فإنه سنة المجرمين مع الرسل الأولين .
فالجعل : بمعنى الخلق ووضع السنن الكونية وهي سنن خلق أسباب الخير وأسباب الشر في كل مجتمع وبخاصة القرى .
وفي هذا تنبيه على أن أهل البداوة أقرب إلى قبول الخير من أهل القرى لأنهم لبساطة طباعهم من الفطرة السليمة فإذا سمعوا الخير تقبلوه بخلاف أهل القرى فإنهم لتشبثهم بعوائدهم وما ألفوه ينفرون من كل ما يغيره عليهم ولهذا قال الله تعالى : ( وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق ) فجعل النفاق في الأعراب نفاقا مجردا والنفاق في أهل المدينة نفاقا ماردا .
وقد يكون الجعل بمعنى التصيير وهو تصيير خلق على صفة مخصوصة أو تصيير مخلوق إلى صفة بعد أن كان في صفة أخرى ثم إن تصارع الخير والشر يكون بمقدار غلبة أهل أحدهما على أهل الآخر فإذا غلب أهل الخير انقبض دعاة الشر والفساد وإذا انعكس الأمر انبسط دعاة الشر وكثروا . ومن أجل ذلك لم يزل الحكماء الأقدمون يبذلون الجهد في إيجاد المدينة الفاضلة التي وصفها " أفلاطون " في كتابه والتي كادت أن تحقق صفاتها في مدينة " أثينة " في زمن جمهوريتها ولكنها ما تحققت بحق إلا في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم في زمانه وزمان الخلفاء الراشدين فيها .
وقد نبه إلى هذا المعنى قوله تعالى ( وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا ) على قراءة تشديد ميم : ( أمرنا ) .
والأظهر في نظم الآية : أن : ( جعلنا ) بمعنى خلقنا وأوجدنا وهو يتعدى إلى مفعول واحد كقوله : ( وجعل الظلمات والنور ) فمفعوله : ( أكابر مجرميها ) .
وقوله : ( في كل قرية ) ظرف لغو متعلق ب ( جعلنا ) وإنما قدم على المفعول مع أنه دونه في التعلق بالفعل لأن كون ذلك من شأن جميع القرى هو الأهم في هذا الخبر ليعلم أهل مكة أن حالهم جرى على سنن أهل القرى المرسل إليها .
وفي قوله : ( أكابر مجرميها ) إيجاز لأنه أغنى عن أن يقول جعلنا مجرمين وأكابر لهم وأن أولياء الشياطين أكابر مجرمي أهل مكة . وقوله : ( ليمكروا ) متعلق ب ( جعلنا ) أي ليحصل المكر وفيه على هذا الاحتمال تنبيه على أن مكرهم ليس بعظيم الشأن .
ويحتمل أن يكون ( جعلنا ) بمعنى صيرنا فيتعدى إلى مفعولين هما : ( أكابر مجرميها ) على أن ( مجرميها ) المفعول الأول و ( أكابر ) مفعول ثان أي جعلنا مجرميها أكابر . وقدم المفعول الثاني للاهتمام به لغرابة شأنه لأن مصير المجرمين أكابر وسادة أمر عجيب إذ ليسوا بأهل للسؤدد كما قال طفيل الغنوي : .
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جهالهم سادوا .
تهدى الأمور بأهل الرأي ما صلحت ... فإن تولت فبالأشرار تنقاد وتقديم قوله : ( في كل قرية ) للغرض المذكور في تقديمه للاحتمال الأول . وفي هذا الاحتمال إيذان بغلبة الفساد عليهم وتفاقم ضره وإشعار بضرورة خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم من تلك القرية وإيذان باقتراب زوال سيادة المشركين إذ تولاها المجرمون لأن بقاءهم على الشرك صيرهم مجرمين بين من أسلم منهم . ولعل كلا الاحتمالين مراد من الكلام ليفرض السامعون كليهما وهذا من ضروب إعجاز القرآن كما تقدم عند قوله تعالى : ( والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين ) .
A E