A E و ( حيث ) هنا اسم دال على المكان مستعارة للمبعوث بالرسالة بناء على تشبيه الرسالة بالوديعة الموضوعة بمكان أمانة على طريقة الاستعارة المكنية . وإثبات المكان تخييل وهو استعارة أخرى مصرحة بتشبيه الرسل بمكان إقامة الرسالة .
وليست ( حيث ) هنا ظرفا بل هي اسم للمكان مجرد عن الظرفية لأن ( حيث ) ظرف متصرف على رأي المحققين من النحاة فهي هنا في محل نصب بنزع الخافض وهو الباء لأن ( أعلم ) اسم تفضيل لا ينصب المفعول وذلك كقوله تعالى : ( إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله ) كما تقدم آنفا .
وجملة ( يجعل رسالاته ) صفة ل ( حيث ) إذا كانت ( حيث ) مجردة عن الظرفية ويتعين أن يكون رابط جملة الصفة بالموصوف محذوفا والتقدير : حيث يجعل فيه رسالاته .
وقد أفادت الآية : أن الرسالة ليست مما ينال بالأماني ولا بالتشهي ولكن الله يعلم من يصلح لها ومن لا يصلح ولو علم من يصلح لها وأراد إرساله لأرسله فإن النفوس متفاوتة في قبول الفيض الإلهي والاستعداد له والطاقة على الاضطلاع بحمله فلا تصلح للرسالة إلا نفس خلقت قريبة من النفوس الملكية بعيدة عن رذائل الحيوانية سليمة من الأدواء القلبية . فالآية دالة على أن الرسول يخلق خلقة مناسبة لمراد الله من إرساله والله حين خلقه عالم بأنه سيرسله وقد يخلق الله نفوسا صالحة للرسالة ولا تكون حكمة في إرسال أربابها فالاستعداد مهيئ لاصطفاء الله تعالى وليس موجبا له وذلك معنى قول بعض المتكلمين : إن الاستعداد الذاتي ليس بموجب للرسالة خلافا للفلاسفة ولعل مراد الفلاسفة لا يبعد عن مراد المتكلمين . وقد أشار ابن سينا في الإشارات إلى شيء من هذا في النمط التاسع .
وفي قوله : ( الله أعلم حيث يجعل رسالاته ) بيان لعظيم مقدار النبي صلى الله عليه وسلم وتنبيه لانحطاط نفوس سادة المشركين عن نوال مرتبة النبوءة وانعدام استعدادهم كما قيل في المثل " ليس بعشك فادرجي " .
وقرأ الجمهور : ( رسالاته ) بالجمع وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم بالإفراد ولما كان المراد الجنس استوى الجمع والمفرد .
( سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون [ 124 ] ) استئناف ناشئ عن قوله : ( ليمكروا فيها ) وهو وعيد لهم على مكرهم وقولهم : ( لن نؤمن حتى نوتي مثل ما أوتي رسل الله ) .
فالمراد بالذين أجرموا أكابر المجرمين من المشركين بمكة بقرينة قوله : ( بما كانوا يمكرون ) فإن صفة المكر أثبتت لأكابر المجرمين في الآية السابقة وذكرهم ب ( الذين أجرموا ) إظهار في مقام الإضمار لأن مقتضى الظاهر أن يقال : سيصيبهم صغار وإنما خولف مقتضى الظاهر للإتيان بالموصول حتى يومئ إلى علة بناء الخبر على الصلة أي إنما أصابهم صغار وعذاب لإجرامهم .
والصغار بفتح الصاد الذل وهو مشتق من الصغر وهو القماءة ونقصان الشيء عن مقدار أمثاله .
وقد جعل الله عقابهم ذلا وعذابا : ليناسب كبرهم وعتوهم وعصيانهم الله تعالى . والصغار والعذاب يحصلان لهم في الدنيا بالهزيمة وزوال السيادة وعذاب القتل والأسر والخوف قال تعالى ( قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا ) وقد حصل الأمران يوم بدر ويوم أحد فهلكت سادة المشركين ؛ وفي الآخرة بإهانتهم بين أهل المحشر وعذابهم في جهنم .
ومعنى ( عند الله ) أنه صغار مقدر عند الله فهو صغار ثابت محقق لأن الشيء الذي يجعله الله تعالى يحصل أثره عند الناس كلهم لأنه تكوين لا يفارق صاحبه كما ورد في الحديث : " إن الله إذا أحب عبدا أمر جبريل فأحبه ثم أمر الملائكة فأحبوه ثم يوضع له القبول عند أهل الأرض " فلا حاجة إلى تقدير ( من ) في قوله : ( عند الله ) ولا إلى جعل العندية بمعنى الحصول في الآخرة كما درج عليه كثير من المفسرين .
والباء في : ( بما كانوا يمكرون ) سببية . و ( ما ) مصدرية : أي بسبب مكرهم أي فعلهم المكر أو موصولة : أي بسبب الذي كانوا يمكرونه على أن المراد بالمكر الاسم فيقدر عائد منصوب هو مفعول به محذوف .
A E