وجملة : ( وإنا لصادقون ) تذييل للجملة التي قبلها قصدا لتحقيق أن الله حرم عليهم ذلك وإبطالا لقولهم : إن اله يحرم علينا شيئا وإنما حرمنا ذلك على أنفسنا اقتداء بيعقوب فيما حرمه على نفسه لأن اليهود لما انتبزوا بتحريم الله عليهم ما أحله لغيرهم مع أنهم يزعمون أنهم المقربون عند الله دون جميع الأمم أنكروا أن يكون الله حرم عليهم ذلك وأنه عقوبة لهم فكانوا . يزعمون أن تلك المحرمات كان حرمها يعقوب على نفسه نذرا لله فاتبعه أبناؤه اقتداء به . وليس قولهم بحق : لأن يعقوب إنما حرم على نفسه لحوم الإبل وألبانها كما ذكره المفسرون وأشار إليه قوله تعالى : ( كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة ) في سورة آل عمران . وتحريم ذلك على نفسه لنذر أو مصلحة بدنية لا يسري إلى من عداه من ذريته وأن هذه الأشياء التي ذكر الله تحريمها على بني إسرائيل مذكور تحريمها في التوراة فكيف ينكرون تحريمها .
فالتأكيد للرد على اليهود . ونظير قوله هنا : ( وإنا لصادقون ) قوله في سورة آل عمران عقب قوله : ( كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل ) ( قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين ) إلى قوله ( قل صدق الله ) .
( فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين [ 147 ] ) تفريع على الكلام السابق الذي أبطل تحريم ما حركوه ابتداء من قوله : ( ثمانية أزواج ) الآيات أي : فإن لم يرعووا بعد هذا البيان وكذبوك في نفي تحريم الله ما زعموا أنه حرمه فذكرهم ببأس الله لعلهم ينتهون عما زعموه وذكرهم برحمته الواسعة لعلهم يبادرون بطلب ما يخولهم رحمته من اتباع هدي الإسلام فيعود ضمير : ( كذبوك ) إلى المشركين وهو المتبادر من سياق الكلام : سابقه ولا حقه وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون في قوله : ( فقل ربكم ذو رحمة الله رحمة واسعة ) تنبيه لهم بأن تأخير العذاب عنهم هو إمهال داخل في رحمة الله رحمة مؤقتة لعلهم يسلمون . وعليه يكون معنى فعل : ( كذبوك ) الاستمرار أي إن استمروا على التكذيب بعد هذه الحجج .
ويجوز أن يعود الضمير إلى ( الذين هادوا ) تكملة للاستطراد وهو قول مجاهد والسدي : أن اليهود قالوا لم يحرم الله علينا شيئا وإنما حرمنا ما حرم إسرائيل على نفسه فيكون معنى الآية : فرض تكذيبهم قوله : ( وعلى الذين هادوا حرمنا ) الخ لأن أقوالهم تخالف ذلك فهم بحيث يكذبون ما في هذه الآية ويشتبه عليهم الإمهال بالرضى فقيل لهم : ( ربكم ذو رحمة وسعة ) . ومن رحمته إمهاله المجرمين في الدنيا غالبا .
وقوله : ( ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين ) فيه إيجاز بحذف تقديره : وذو باس ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين إذا أراده . وهذا وعيد وتوقع وهو تذييل لأن قوله : ( عن القوم المجرمين ) يعمهم وغيرهم وهو يتضمن أنهم مجرمون .
( سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون [ 148 ] ) استئناف رجع به الكلام إلى مجادلة المشركين بعد أن اعترض بينها بقوله : ( قل لا أجد فيما أوحي ألي محرما على طاعم يطعمه ) إلى قوله ( فإن ربك غفور رحيم ) فلما قطع الله حجتهم في شأن تحريم ما حرموه وقسمة ما قسموه استقصى ما بقي لهم من حجة وهي حجة المحجوج المغلوب الذي أعيته المجادلة ولم تبق له حجة إذ يتشبث بالمعاذير الواهية لترويج ضلالة بأن يقول : هذا أمر قضي وقدر .
A E