وب سایت رسمی مجمع جهانى تقريب مذاهب اسلامى

اهم اخبار تقریب مذاهب اسلامی

مجمع جهانى تقريب مذاهب اسلامى
سایت رسمی مجمع جهانى تقريب مذاهب اسلامى

فإن كان ضمير الرفع في قوله : ( فإن كذبوك ) عائدا إلى المشركين كان قوله تعالى هنا : ( سيقول الذين أشركوا ) إظهار في مقام الإضمار لزيادة تفظيع أقوالهم فإخبار الله عنهم بأنهم سيقولون ذلك إن كان نزول هذه الآية قبل نزول آية سورة النحل : ( وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء ) هو الأرجح فإن سورة النحل معدودة في النزول بعد سورة الأنعام كان الإخبار بأنهم سيقولونه اطلاعا على ما تكنه نفوسهم من تزوير هذه الحجة فهو معجزة من معجزات القرآن من نوع الإخبار بالغيب كقوله تعالى : ( فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا ) . وإن كان نزول هذه الآية بعد نزول آية سورة النحل فإخبار بأنهم سيقولونه معناه أنهم سيعيدون معذرتهم المألوفة .
وحاصل هذه الحجة : أنهم يحتجون على النبي " عليه الصلاة والسلام " بأن ما هم عليه لو لم يكن برضى الله تعالى لصرفهم عنه ولما يسره لهم يقولون ذلك في معرض إفحام الرسول A وإبطال حكمه عليهم بالضلالة وهذه شبهة أهل العقول الأفنة الذين لا يفرقون بين تصرف الله تعالى بالخلق والتقدير وحفظ قوانين الوجود وهو الترف الذي نسميه نحن بالمشيئة وبالإرادة وبين تصرفه بالأمر والنهي وهو الذي نسميه بالرضى وبالمحبة : فالأول تصرف التكوين والثاني تصرف التكليف فهم يحسبون أن تمكنهم من وضع قواعد الشرك ومن التحريم والتحليل ما هو إلا بأن خلق الله فيهم التمكن من ذلك فيحسبون أنه حين لم يمسك عنان أفعالهم كان قد رضي بما فعلوه وأنه لو كان لا يرضى به لما عجز عن سلب تمكنهم يحسبون أن الله يهمه سوء تصرفهم فيما فطرهم عليه ولو كان كما يتوهمون لكان الباطل والحق شيئا واحدا وهذا ما لا يفهمه عقل حصيف . فإن أهل العقول السخيفة حين يتوهمون ذلك كانوا غير ملتفين إلا إلى جانب نحلتهم ومعرضين عن جانب مخالفهم فإنهم حين يقولون : ( لو شاء الله ما أشركنا ) غافلون عن أن يقال لهم من جانب الرسول : لو شاء ما قلت لكم أن فعلكم ضلال فيكون الله على حسب شبهتهم قد شاء الشيء ونقيضه إذ شاء أنهم يشركون وشاء أن يقول لهم الرسول لا تشركوا .
وسبب هذه الضلالة العارضة لأهل الضلال من الأمم التي تلوح في عقول بعض عوام المسلمين في معاذيرهم للمعاصي والجرائم أن يقولوا : أمر الله أو مكتوب عند الله أو نحو ذلك هو الجهل بأن حكمة الله تعالى في وضع نظام هذا العالم اقتضت أن يجعل حجابا بين تصرفه تعالى في أحوال المخلوقات وبين تصرفهم في أحوالهم بمقتضى إرادتهم وذلك الحجاب هو ناموس ارتباط المسببات بأسبابها وارتباط أحوال الموجودات في هذا العالم بعضها ببعض ومنه ما يسمى بالكسب والاستطاعة عند جمهور الأشاعرة ويسم بالقدرة عند المعتزلة وبعض الأشاعرة وذلك هو مورد التكليف الدال على ما يرضاه الله وما لا يرضى به وأن الله وضع نظام هذا العالم بحكمه فجعل قوامه هم تدبير الأشياء أمورها من ذواتها بحسب قوى أودعها في الموجودات لتسعى لما خلقت لأجله وزاد الإنسان مزية بأن وضع له عقلا يمكنه من تغيير أحواله على حسب احتياجه ووضع له في عقله وسائل الاهتداء إلى الخير والشر كما قيض له دعاة إلى الخير تنبهه إليه إن عرته غفلة أو حجبته شهوة فإن هو لم يرعوا عن غيه فقد خان بساط عقله بطيه .
وبهذا ظهر تخليط أهل الضلالة بين مشيئة العباد ومشيئة الله فلذلك رد الله عليهم هنا قولهم : ( لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ) لأنهم جعلوا ما هو مشيئة لهم مشيئة لله تعالى ومع ذلك فهو قد أثبت مشيئته في قوله : ( ولو شاء الله ما أشركوا ) فهي مشيئة تكوين العقول وتكوين نظام الجماعة .
فهذه المشيئة التي اعتلوا بها مشيئة خفية لا تتوصل إلى الاطلاع على كننها عقول البشر فلذلك نعى الله عليهم استنادهم إليها على جهلهم بكنهها فقال : ( كذلك كذب الذين من قبلهم ) فشبه بتكذيبهم تكذيب المكذبين الذين من قبلهم فكني بذلك عن كون مقصد المشركين من هذه الحجة تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم . وقد سبق لنا بيان في هذا المعنى في هذه السورة عند قوله تعالى : ( ولو شاء الله ما أشركوا ) .
A E