والواو في قوله : ( ولو كان ) واو الحال ولو وصلية تفيد المبالغة في الحال التي من شأنها أن يظن السامع عدم شمول الحكم إياها لاختصاصها من بين بقية الأحوال التي يشملها الحكم وقد تقدم بيانها عند قوله تعالى : ( فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا لو افتدى به ) في سورة آل عمران فإن حالة قرابة المقول لأجله القول قد تحمل القائل على أن يقول غير العدل لنفع قريبه أو مصانعته فنبهوا على وجوب التزام العدل في القول في تلك الحالة فالضمير المستتر في ( كان ) عائد إلى شيء معلوم من الكلام : أي لو كان الذي تعلق به القول ذا قربى .
A E والقربى : القرابة ويعلم أنه ذو قرابة من القائل أي إذا قلتم قولا لأجله أو عليه فاعدلوا ولا تقولوا غير الحق ولا لدفع ضره بأن تغمصوا الحق الذي عليه ولا لنفعه بأن تختلقوا له حقا على غيره أو تبرئوه مما صدر منه على غيره وقد قال الله تعالى في العدل في الشهادة في القضاء : ( كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين ) .
وقد جاء طلب الحق في القول بصيغة الأمر بالعدل دون النهي عن الظلم أو الباطل : لأنه قيده بأداة الشرط المقتضي لصدور القول : فالقول إذا صدر لا يخلو عن أن يكون حقا أو باطلا والأمر بأن يكون حقا أو في أوفى بمقصد الشارع لوجهين : أحدهما أن الله يحب إظهار الحق بالقول ففي الأمر بأن يكون عدلا أمر بإظهاره ونهى عن السكوت بدون موجب . والثاني أن النهي عن قول الباطل أو الزور يصدق بالكلام الموجه الذي ظاهره ليس بحق وذلك مذموم إلا عند الخوف أو الملاينة أو فيما لا يرجع إلى إظهار حق وتلك هي المعاريض التي ورد فيها الحديث : " إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب " .
( وبعهد الله أوفوا ) ختم هذه المتلوات بالأمر بإيفاء العهد بقوله : ( وبعهد الله أوفوا ) . وعهد المأمور بالإيفاء به هو كل عهد فيه معنى الانتساب إلى الله الذي اقتضته الإضافة إذ الإضافة هنا يصح أن تكون إضافة المصدر إلى الفاعل أي ما عهد الله به إليكم من الشرائع ويصح أن تكون إلى مفعوله أي ما عاهدتم الله أن تفعلوه والتزمتموه وتقلدتموه ويصح أن تكون الإضافة لأدنى ملابسة أي العهد الذي أمر الله بحفظه وحذر من ختره وهو المعهود التي تنعقد بين الناس بعضهم مع بعض سواء كان بين القبائل أم كان بين الآحاد . ولأجل مراعاة هذه المعاني الناشئة عن صلاحية الإضافة لإفادتها عدل إلى طريق إسناد اسم العهد إلى اسم الجلالة بطريق الإضافة دون طريق الفعل بأن يقال : وبما عاهدتم الله عليه أو نحو ذلك ما لا يحتمل إلا معنى واحد . وإذ كان الخطاب بقوله : ( تعالوا ) للمشركين تعين أن يكون العهد شيئا قد تقررت معرفته بينهم وهو العهود التي يعقدونها بالموالاة والصلح أو نحو ذلك فهو يدعوهم إلى الوفاء بما عاقدوا عليه . وأضيف إلى الله لأنهم كانوا يتحالفون عند التعاقد ولذلك يسمون العهد حلفا قال الحارث بن حلزة : .
واذكروا حلف ذي المجاز وما ... قدم فيه العهود والكفلا وقال عمرو بن كلثوم : .
ونوجد نحن أمنعهم ذمارا ... وأوفاهم إذا عقدوا يمينا فالآية آمرة لهم بالوفاء وكان العرب يتمادحون به . ومن العهود المقررة بينهم : حلف الفضول وحلف المطيبين وكلاهما كان في الجاهلية على نفي الظلم والجور عن القاطنين بمكة وذلك تحقيق لعهد الله لإبراهيم " عليه السلام " أن يجعل مكة بلدا آمنا ومن دخله كان آمنا وقد اعتدى المشركون على ضعفاء المؤمنين وظلموهم مثل عمار وبلال وعامر بن فهيرة ونحوهم فهو يقول لهم فيما يتلو عليهم أن خفر عهد الله بأمان مكة وخفر عهودكم بذلك أولى بأن تحرموه من مزاعمكم الكاذبة فيما حرمتم وفصلتم فهذا هو الوجه في تفسير قوله : ( وبعهد الله أوفوا )