لما كون الله فيه الصغار والحقاري بعد عزة الملكية وشرفها انقلبت مرامي همته إلى التعلق بالسفاسف " إذا ما لم تكن إبل فمعزى " فسأل النظرة بطول الحياة إلى يوم البعث إذ كان يعلم قبل ذلك أنه من الحوادث الباقية لأنه من أهل العالم الباقي فلما أهبط إلى العالم الأرضي ظن أنه صائر إلى العدم فلذلك سأل النظرة إبقاء لما كان له من قبل وإذ قد كان ذلك بتقدير الله تعالى وعلمه وبدر من إبليس طلب النظرة قال الله تعالى : ( إنك من المنظرين ) أي أنك من المخلوقات الباقية .
وقد أفاد التأكيد بإن والإخبار بصيغة ( من المنظرين ) : أن إنظاره أمر قد قضاه الله وقدره من قبل سؤاله أي تحقق كونك من الفريق الذين انظروا إلى يوم البعث أي أن الله خلق خلقا وقدر بقاءهم إلى يوم البعث فكشف لإبليس أنه بعض من جملة المنظرين من قبل حدوث المعصية منه وإن الله ليس بمغير ما قدره له فجواب الله تعالى لإبليس إخبار عن أمر تحقق وليس إجابة لطلبة إبليس لأنه أهون على الله من أن يجيب له طلبا وهذه هي النكتة في العدول عن أن يكون الجواب : أنظرتك أو أجبت لك مما يدل على تكرمة باستجابة طلبه ولكنه أعلمه أن ما سأله أمر حاصل فسؤاله تحصيل حاصل .
( قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم [ 16 ] ثم لأتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين [ 17 ] ) الفاء للترتيب والتسبب على قوله : ( إنك من الصاغرين - ثم قوله - إنك من المنظرين ) .
A E فقد دل مضمون ذينك الكلامين أن الله خلق في نفس إبليس مقدرة على إغواء الناس بقوله : ( إنك من الصاغرين ) وإنه جعله باقيا متصرفا بقواه الشريرة إلى يوم البعث فأحس إبليس أنه سيكون داعية إلى الضلال والكفر بجبلة قلبه الله إليها قلبا وهو من المسخ النفساني وإنه فاعل ذلك لا محالة مع علمه بأن ما يصدر عنه هو ضلال وفساد فصدور ذلك منه كصدور النهش من الحية وكتحرك الأجفان عند مرور شيء على العين وإن كان صاحب العين لا يريد تحريكهما .
والباء في قوله : ( فبما أغويتني ) سببية وهي ظرف مستقر واقع موقع الحال من فاعل ( لأقعدن ) أي أقسم لأقعدن لهم حال كون ذلك مني بسبب إغوائك إياي . واللام في ( لأقعدن ) لم القسم : قصد تأكيد حصول ذلك وتحقيق العزم عليه .
وقدم المجرور على عامله لإفادة معنى التعليل وهو قريب من الشرط فلذلك استحق التقديم فإن المجرور إذا قدم قد يفيد معنى قريبا من الشرطية كما في قول النبي A : " كما تكونوا يولى عليكم " في رواية جزم تكونوا مع عدم معاملة عامله معاملة جواب الشرط بعلامة الجزم فلم يرو ( يولى ) إلا بالألف في آخره على عدم اعتبار الجزم . وذلك يحصل من الاهتمام بالمتعلق إذ كان هو السبب في حصول المتعلق به فالتقديم للاهتمام ولذلك لم يكن هذا التقديم منافسا لتصدير لام القسم في جملتها على أنا لا نلتزم ذلك فقد خولف في كثير من كلام العرب . وما مصدرية والقعود كناية عن الملازمة كما في وقل النابغة : .
قعودا لدى أبياتهم يشمدونهم ... رمى الله في تلك الأكف الكوانع أي ملازمين أبياتا لغيرهم يرد الجلوس إذ قد يكونون يسألون واقفين وماشين ووجه الكناية هو أن ملازمة المكان تستلزم الإعياء من الوقوف عنده فيقعد الملازم طلبا للراحة ومن ثم أطلق على المستجير اسم القعيد ومن إطلاق القعيد على الملازم قوله تعالى : ( إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ) أي ملازم إذ الملك لا يوصف بقعود ولا قيام .
ولما ضمن فعل : ( لأقعدن ) معنى الملازمة انتصب ( صراطك ) على المفعولية . أو على تقدير فعل تضمنه معنى لأقعدن تقديره : فامنعن صراطك أو فأقطعن عنهم صراطك واللام في لهم للأجل كقوله : ( واقعدوا لهم كل مرصد )