كهيئة الغاش الماكر إذ يخفي كلاما عن الحاضرين كيلا يفسدوا عليه غشه بفضح مضاره فألاقي لهما كلاما في صورة التخافت ليوهمهما أنه ناصح لهما وأنه يخافت الكلام وقد وقع في الآية الأخرى التعبير عن تسويل الشيطان بالقول : ( فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى ) ثم درج اصطلاح القرآن وكلام الرسول A على تسمية إلقاء الشيطان في نفوس الناس خواطر فاسدة وسوسة تقريبا لمعنى ذلك الإلقاء للإفهام كما في قوله : ( من شر الوسواس الخناس ) وهذا التفضيل لإلقاء الشيطان كيده انفردت به هذه الآية عن آية سورة البقرة لأن هذه خطاب شامل للمشركين وهم أخلياء عن العلم بذلك فناسب تفظيع أعمال الشيطان بمسمع منهم .
واللام في : ( ليبدي ) لام العاقبة إذا كان الشيطان لا يعلم أن العصيان يفضي بهما إلى حدوث خاطر الشر في النفوس وظهور السوآت فشبه حصول الأثر عقب الفعل بحصول المعلول بعد العلة كقوله تعالى ( فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا ) وإنما التقطوه ليكون لهم قرة عين وحسن ذلك أن بدو سوآتهما مما يرضي الشيطان . وبجوز أن تكون لام العلة الباعثة إذا كان الشيطان يعلم ذلك بالإلهام أو بالنظر فالشيطان وسوس لآدم وزوجه لغرض إيقاعهما في المعصية ابتداء لأن ذلك طبعه الذي جبل على عمله ثم لغرض الإضرار بهما إذ كان يسعى إلى ما يؤذيهما ويحدسهما على رضى الله عنهما ويعلم أن العصيان يفضي بهما إلى سوء الحال على الإجمال فكان مظهر ذلك السوء إبداء السوآت فجعل مفصل العلة المجملة عند الفاعل هو العلة وإن لم تخطر بباله ويحتمل أن يكون الشيطان قد علم ذلك بعلم حصل له من قبل . والحاصل أنه أراد الإضرار لأنه قد استقر في طبعه عداوة البشر كما سيصرح به فيما بعد وفي قوله تعالى : ( إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا ) .
والإبداء ضد الإخفاء فالإبداء كشف الشي وإظهاره ويطلق مجازا على معرفة الشيء بعد جهله يقال بدالي أن أفعل كذا .
وأسند إبداء السوآت إلى الشيطان لأنه المتسبب فيه على طريقة المجاز العقلي والسوآت جمع سوأة وهي اسم لما يسوء ويتعير به من النقائص ومن سب العرب قولهم : سوأة لك ومن تلهفهم : يا سوأتا . ويكنى بالسوأة عن العورة . ومعنى ووري عنهما حجب عنهما وأخفي مشتقا من المواراة وهي التغطية والإخفاء وتطلق المواراة مجازا على صرف المرء عن علم شيء بالكتمان أو التلبيس .
والسوآت هنا يجوز أن تكون جمع السوأة للخصلة الذميمة كما في قول أبي زبيد : .
لم يهب حرمة النديم وحقت ... يا لقومي للسوأة السوآء فتكون صيغة الجمع على حقيقتها والسوآت حينئذ مستعمل في صريحة ويجوز أن تكون جمع السوأة المكنى بها عن العورة وقد روي تفسيرها بذلك عن ابن عباس كقوله تعالى : ( قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم ) وعلى هذا فصيغة الجمع مستعملة في الاثنين للتخفيف كقوله تعالى : ( فقد صغت قلوبكما ) . وسيجيء تحقيق معنى هذا الإبداء عند قوله تعالى بعد هذا : ( فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما ) .
A E