ومعنى : ( عند كل مسجد ) عند كل مكان متخذ لعبادة الله تعالى واسم المسجد منقول في الإسلام للمكان المعين المحدود المتخذ للصلاة وتقدم عند قوله تعالى : ( ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام ) في سورة العقود فالشعائر التي يوقعون فيها أعمالا من الحج كلها مساجد ولم يكن لهم مساجد غير شعائر الحج فذكر المساجد في الآية يعين أن المراد إقامة الوجوه عند التوجه إلى الله في الحج بأن لا يشركوا مع الله في ذلك غيره من أصنامهم بالنية كما كانوا وضعوا " هبل " على سطح الكعبة ليكون الطواف بالكعبة لله ولهبل ووضعوا " اسافا ونائلة " على الصفا والمروة ليكون السعي لله ولهما . وكان فريق منهم يهلون إلى " مناة " عند " المشلل " فالأمر بإقامة الوجوه عند المساجد كلها أمر بالتزام التوحيد وكمال الحال في شعائر الحج كلها فهذه مناسبة عطف قوله : ( وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد ) عقب إنكار أن يأمر الله بالفحشاء من أحوالهم وإثبات أنه أمر بالقسط مما يضادها .
وهذا الأمر وإن كان المقصود به المشركين لأنهم المتصفون بضده فالمؤمنين منه حظ الدوام عليه كما كان للمشركين حظ الإعراض عنه والتفريط فيه .
والدعاء في قوله ( وادعوه مخلصين له الدين ) بمعنى العبادة أي اعبدوه كقوله : ( إن الذين تدعون من دون الله ) .
والإخلاص تمحيض الشيء من مخالطة غيره .
والدين بمعنى الطاعة من قولهم دنت لفلان أي أطعته .
ومنه سمي الله تعالى : الديان أي القهار المذلل المطوع لسائر الموجودات ونظير هذه الآية قوله تعالى : ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ) والمقصد منها إبطال الشرك في عبادة الله تعالى وفي إبطاله تحقيق لمعنى القسط الذي في قوله : ( قل أمر ربي بالقسط ) كما قدمناه هنالك و ( مخلصين ) حال من الضمير في ادعوه .
وجملة : ( كما بدأ كم تعودون ) في موضع الحال من الضمير المستتر في قوله ( مخلصين ) وهب حال مقدرة أي : مقدرين عودكم إليه وأن عودكم كبدئكم وهذا إنذار بأنهم مؤاخذون على عدم الإخلاص في العبادة فالمقصود منه هو قوله : ( تعودون ) أي إليه وأدمج فيه قوله ( كما بدأكم ) تذكيرا بإمكان البعث الذي أحالوه ؛ فكان هذا إنذار لهم بأنهم عائدون إليه فمجازون عن إشراكهم في عبادته وهو أيضا احتجاج عليهم على عدم جدوى عبادتهم غير الله وإثبات للبعث الذي أنكروه بدفع موجب استبعادهم إياه حين يقولون : ( أإذا كنا ترابا وعظاما إنا لمبعوثون ) ويقولون ( أئنا لمردودون في الحافلاة إذا كنا عظاما نخرة ) ونحو ذلك بأن ذلك الخلق ليس بأعجب من خلقهم الأول كما قال تعالى : ( أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد ) وكما قال : ( وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه ) أي بنقيض تقدير استبعادهم الخلق الثاني وتذكير لهم بأن الله منفرد بخلقهم الثاني كما انفرد بخلقهم الأول فهو منفرد بالجزاء فلا يغني عنهم آلهتهم شيئا .
فالكاف في قوله : ( كما بذأكم تعودون ) لتشبيه عود خلقهم ببدئه و ( ما ) مصدرية والتقدير : تعودون عودا جديدا كبدئه إياكم فقدم المتعلق الدال على التشبيه على فعله وهو تعودون للاهتمام به وقد فسرت الآية في بعض الأقوال بمعان هي بعيدة عن سياقها ونظمها .
و ( فريقا ) الأول والثاني منصوبان على الحال : إما من الضمير المرفوع في ( تعودون ) أي ترجعون إلى الله فريقين فاكتفي عن إجمال الفريقين ثم تفصيلهما بالتفصيل الدال على الإجمال تعجيلا بذكر التفصيل لأن المقام مقام ترغيب وترهيب ومعنى ( فريقا هدى ) : أن فريقا هداهم الله في الدنيا وفريقا حق عليهم الضلالة أي في الدنيا كما دل عليه التعليل بقوله : ( إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ) وإما من الضمير المستتر في قوله : ( مخلصين ) أي ادعوه مخلصين حال كونكم فريقين : فريقا هداه الله للإخلاص ونبذ الشرك وفريقا دام على الضلال ولازم الشرك .
وجملة : ( هدى ) في موضع الصفة ل ( فريقا ) الأول وقد حذف الرابط المنصوب : أي هداهم الله وجملة : ( حق عليهم الضلالة ) صفة ( فريقا ) الثاني .
A E