والخسارة مستعارة لعدم الانتفاع بما يرجى منه النفع وقد تقدم بيان ذلك عند قوله تعالى ( الذين حسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون ) في سورة الأنعام قوله : ( فأولئك الذين خسروا أنفسهم ) في أول هذه السورة . والمعنى : أن ما أقحموا فيه نفوسهم من الشرك والتكذيب قد تبين أنه مفض بهم إلى تحقق الوعيد فيهم يوم يأتي تأويل ما توعدهم به القرآن فبذلك تحقق أنهم خسروا أنفسهم من الآن وإن كانوا لا يشعرون .
وأما قوله ( وضل عنهم ما كانوا يفترون ) فالضلال مستعار للعدم طريقة التهكم شبه عدم شفعائهم المزعومين بضلال الإبل عن أربابها تهكما عليهم وهذا التهكم منظور فيه إلى محاكاة ظنهم يوم القيامة المحكي عنهم في قوله قبل : ( قالوا ظلوا عنا ) .
و ( ما ) من قوله ( ما كانوا يفترون ) موصولة ما صدقها الشفعاء الذين كانوا يدعونهم من دون الله وحذف عائد الصلة المنصوب أي ما كانوا بفترونه أي يكذبونه إذ يقولون ( هؤلاء شفعاؤنا ) وهم جماد لا حظ لهم في شؤون العقلاء حتى يشفعوا فهم قد ضلوا عنهم من الآن ولذلك عبر بالمضي لأن الضلال المستعار للعدم متحقق من ماضي الأزمنة .
( إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين [ 54 ] ) جاءت أغراض هذه السورة متناسبة متماسكة . فإنها ابتدئت بذكر القرآن والأمر باتباعه ونبذ ما يصد عنه وهو اتباع الشرك ثم التذكير بالأمم التي أعرضت عن طاعة رسل الله . ثم الاستدلال على وحدانية الله والامتنان بخلق الأرض والتمكين منها وبخلق أصل البشر وخلقهم وخلل ذلك بالتذكير بعداوة الشيطان لأصل البشر وللبشر في قوله ( لأقعدن لهم صراطك المستقيم ) . وانتقل من ذلك إلى التنديد على المشركين فيما اتبعوا فيه تسويل الشيطان من قوله ( وإذا فعلوا فاحشة ) ثم بتذكيرهم بالعهد الذي أخذه الله على البشر في قوله ( يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم ) الآية . وبأن المشركين ظلموا بنكث العهد بقوله ( فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته ) وتوعدهم وذكرهم أحوال أهل الآخرة وعقب ذلك عاد إلى ذكر القرآن بقوله ( ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم ) وأنهاه بالتذييل بقوله ( قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون ) .
فلا جرم تهيأت الأسماع والقلوب لتلقي الحجة على أن الله إله واحد وأن آلهة المشركين ضلال وباطل ثم لبيان عظيم قدرته ومجده فلذلك استؤنف بجملة ( إن ربكم الله ) الآية استئنافا ابتدائيا عاد به التذكير إلى صدر السورة في قوله ( ولا تتبعوا من دونه أولياء ) فكان ما في صدر السورة بمنزلة المطلوب المنطقي وكان ما بعده بمنزلة البرهان وكان قوله ( إن ربكم الله ) بمنزلة النتيجة للبرهان والنتيجة مساوية للمطلوب الا أنها تؤخذ أوضح وأشد تفصيلا .
فالخطاب موجه إلى المشركين ابتداء ولذلك كان للتأكيد بحرف ( إن ) موقعه لرد إنكار المشركين انفراد الله بالربوبية وإذ كان ما اشتملت عليه هذه الآية يزيد المسلمين بصيرة بعظم مجد الله وسعة ملكه ويزيدهم ذكرى بدلائل قدرته كان الخطاب صالحا لتناول المسلمين لصلاحية ضمير الخطاب لذلك ولا يكون حرف ( إن ) بالنسبة إليهم سدى لأنه يفيد الاهتمام بالخبر لأن فيه حظا للفريقين ولأن بعض ما اشتمل عليه ( ما ) هو بالمؤمنين أعلق مثل ( ادعوا ربكم تضرعا وخفية ) وقوله ( إن رجمة الله قريب من المحسنين ) وبعضه بالكافرين أنسب مثل قوله ( كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون ) .
A E