والمضاف إليه المقدر المنبئ عنه بناء " قبل " على الضم : هو التأويل أو اليوم أي من قبل تأويله أو من قبل ذلك اليوم أي في الدنيا . والقول هنا كناية عن العلم والاعتقاد لأن الأصل في الأخبار مطابقتها لاعتقاد المخبر أي يتبين لهم الحق ويصرحون به .
وهذا القول يقوله بعضهم لبعض اعترافا بخطئهم في تكذيبهم الرسول A وما أخبر به عن الرسل من قبله ولذلك جمع الرسل هنا مع أن الحديث عن المكذبين محمدا A وذلك لأن رسول الله A ضرب لهم الأمثال بالرسل السابقين وهم لما كذبوه جرأهم تكذيبه على إنكار بعثة الرسل إذ قالوا ( ما أنزل الله على بشر من شيء ) أو لأنهم مشاهدون يومئذ ما هو عقاب الأمم السابقة على تكذيب رسلهم فيصدر عنهم ذلك القول عن تأثر بجميع ما شاهدوه من التهديد الشامل لهم ولمن عداهم من الأمم .
وقولهم ( قد جاءت رسل ربنا بالحق ) خبر مستعمل في الإقرار بخطئهم في تكذيب الرسل وإنشاء للحسرة على ذلك وإبداء الحيرة فيما ذا يصنعون ولذلك رتبوا عليه وفرعوا بالفاء قولهم ( فهل لنا من شفعاء ) إلى آخره .
والاستفهام يجوز أن يكون حقيقيا يقوله بعضهم لبعض لعل أحدهم يرشدهم إلى مخلص لهم من تلك الورطة وهذا القول يقولونه في ابتداء رؤية ما يهددهم قبل أن يوقنوا بانتفاء الشفعاء المحكي عنهم في قوله تعالى ( فما لنا من شافعين ولا صديق حميم ) ويجوز أن يكون الاستفهام مستعملا في التمني . ويجوز أن يكون مستعملا في النفي على معنى التحسر والتندم و ( من ) زائدة للتوكيد على جميع التقادير فتفيد توكيد العموم في المستفهم عنه ليفيد أنهم لا يسألون عمن توهموهم شفعاء من أصنامهم إذ قد يئسوا منهم كما قال تعالى ( وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء ) بل هم يتساءلون عن أي شفيع يشفع لهم ولو يكون الرسول A الذي ناصبوه العداء في الحياة الدنيا ونظيره قوله تعالى في سورة المؤمن ( فهل إلى خروج من سبيل ) .
وانتصب ( فيشفعوا ) على جواب الاستفهام أو التمني أو النفي .
( والشفعاء ) جمع شفيع وهو الذي يسعى بالشفاعة وهم يسمون أصنامهم شفعاء قال تعالى ( ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ) .
وتقدم معنى الشفاعة عند قوله تعالى ( ولا يقبل منها شفاعة ) في سورة البقرة وعند قوله ( من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة ) في سورة البقرة وعند قوله ( من يشفع شفاعة حسنة ) في سورة النساء .
وعطف فعل ( نرد ) ب ( أو ) على مدخول الاستفهام فيكون الاستفهام عن أحد الأمرين لأن أحدهما لا يجتمع مع الآخر فإذا حصلت الشفاعة فلا حاجة إلى الرد وإذا حصل الرد استغني عن الشفاعة .
وإذ كانت جملة ( لنا من شفعاء ) واقعة في حيز الاستفهام فالتي عطفت عليها تكون واقعة في حيز الاستفهام فلذلك تعين رفع الفعل المضارع في القراءات المشهورة ورفعه بتجرده عن عامل النصب وعامل الجزم فوقع موقع الاسم كما قدره الزمخشري تبعا للفراء فهو مرفوع بنفسه من غير احتياج إلى تأويل الجملة التي قبله بردها إلى جملة فعلية بتقدير : هل يشفع لنا شفعاء كما قدره الزجاج لعدم الملجئ إلى ذلك ولذلك انتصب : ( فنعمل ) في جواب ( نرد ) كما انتصب ( فيشفعوا ) في جواب ( فهل لنا من شفعاء ) .
والمراد بالعمل في قولهم ( فنعمل ) ما يشمل الاعتقاد وهو الأهم مثل اعتقاد الوحدانية والبعث وتصديق الرسول A لأن الاعتقاد عمل القلب ولأنه تترتب عليه آثار عملية من أقوال وأفعال وامتثال . والمراد بالله في قوله ( الذي كنا نعمل ) ما كانوا يعملونه من أمور الدين بقرينة سياق قولهم ( قد جاءت رسل ربنا بالحق ) أي فنعمل ما يغاير ما صممنا عليه بعد مجيء الرسول A .
وجملة ( قد خسروا أنفسهم ) مستأنفة استئنافا ابتدائيا تذييلا وخلاصة لقصتهم أي فكان حاصل أمرهم أنهم حسروا أنفسهم من الآن وضل عنهم ما كانوا يفترون .
A E