والمعنى : ادعوا ربكم لأنه يحبكم ولا يحب المعتدين كقوله ( وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين ) تعريض بالوعد بإجابة دعاء المؤمنين وأنه لا يستجيب دعاء الكافرين قال تعالى ( وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ) على أحد تأويلين فيها . وحمل بعض المفسرين التضرع على الخضوع فجعلوا الآية مقصورة على طلب الدعاء الخفي حتى بالغ بعضهم فجعل الجهر بالدعاء منهيا عنه وتجاوز بعضهم فجعل قوله ( إنه لا يحب المعتدين ) تأكيدا لمعنى الأمر بإخفاء الدعاء وجعل الجهر بالدعاء من الاعتداء والجاهرين به من المعتدين الذين لا يجبهم الله . ونقل ذلك عن ابن جريج وأحسب أنه نقل عنه غير مضبوط العبارة كيف وقد دعا رسول الله A جهرا ودعا أصحابه .
( ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ) عطف النهي عن الفساد في الأرض على جملة ( إنه لا يحب المعتدين ) عطفا على طريقة الاعتراض فإن الكلام لما أنبأ عن عناية الله بالمسلمين وتقريبه إياهم إذ أمرهم بأن يدعوه وشرفهم بذلك العنوان العظيم في قوله ( ربكم ) وعرض لهم بمحبته إياهم دون أعدائهم المعتدين أعقبه بما يحول بينهم وبين الإدلال على الله بالاسترسال فيما تمليه عليهم شهواتهم من ثوران القوتين الشهوية والغضبية فإنهما تجنيان فساد في الغالب فذكرهم بترك الإفساد ليكون صلاحهم منزها عن أن يخالطه فساد فإنهم إن أفسدوا في الأرض أفسدوا مخلوقات كثيرة وأفسدوا أنفسهم في ضمن ذلك الإفساد فأشبه موقع الاحتراس وكذلك دأب القرآن أن يعقب الترغيب بالترهيب وبالعكس لئلا يقع الناس في اليأس أو الأمن .
والاهتمام بدرء الفساد كان مقاما هنا مقتضيا التعجيل بهذا النهي معترضا بين جملتي الأمر بالدعاء .
وفي إيقاع هذا النهي قوله ( إنه لا يحب المعتدين ) تعريض بان المعتدين وهم المشركون مفسدون في الأرض وإرباء للمسلمين عن مشابهتهم أي لا يليق بكم وأنتم المقربون من ربكم المأذون لكم بدعائه أن تكونوا مثل المبعدين منه المبغضين .
والإفساد في الأرض والإصلاح تقدم الكلام عليهما عند قوله تعالى ( وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ) في سورة البقرة وبينا هنالك أصول الفساد وحقائق الإصلاح ومر هنالك القول في حذف مفعول ( تفسدوا ) مما هو نظير ما هنا .
و ( الأرض ) هنا هي الجسم الكروي المعبر عنه بالدنيا .
والإفساد في كل جزء من الأرض هو إفساد لمجموع الأرض وقد يكون بعض الإفساد مؤديا إلى صلاح أعظم مما جره الإفساد من المضرة فيترجح الإفساد إذا لم يمكن تحصيل صلاح ضروري إلا به فقد قطع رسول الله A نخل بني النضير ونهى أبو بكر " Bه " عن قطع شجر العدو لاختلاف الأحوال