والبعدية في قوله ( بعد إصلاحها ) بعدية حقيقية لأن الأرض خلقت من أول أمرها على صلاح قال الله تعالى ( وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقوالها ) على نظام صالح بما تحتوي عليه وبخاصة الإنسان الذي هو أشرف المخلوقات التي جعلها الله على الأرض وخلق له ما في الأرض وعزز ذلك النظام بقوانين وضعها الله على ألسنة المرسلين والصالحين والحكماء من عباده الذين أيدهم بالوحي والخطاب الإلهي أو بالإلهام والتوفيق والحكمة فعلوا الناس كيف يستعملون ما في الأرض على نظام يحصل به الانتفاع بنفع النافع وإزالة ما في النافع من الضر وتجنب ضر الضار فذلك النظام الأصلي والقانون المعزز له كلاهما إصلاح في الأرض لأن الأول إيجاد الشيء صالحا والتاني جعل الضار صالحا بالتهذيب أو بالإزالة وقد مضى في قوله تعالى ( وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ) في سورة البقرة أن الإصلاح موضوع للقدر المشترك بين إيجاد الشيء صالحا وبين جعل الفاسد صالحا . فالإصلاح هنا مصدر في معنى الاسم الجامد وليس في معنى الفعل لأنه أريد به إصلاح حاصل ثابت في الأرض لا إصلاح هو بصدد الحصول فإذا عير ذلك النظام فأفسد الصالح واستعمل الضار على ضره أو استبقي مع إمكان إزالته كان إفسادا بعد إصلاح كما أشار إليه قوله تعالى ( والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ) .
A E والتصريح بالبعدية هنا تسجيل لفظاعة الإفساد بأنه إفساد لما هو حسن ونافع فلا معذرة لفاعله ولا مساغ لفعله عند أهل الأرض .
( وادعوه خوفا وطمعا إن رحمت الله قريب من المحسنين [ 56 ] ) عود إلى أمر الدعاء لأن ما قبله من النهي عن الإفساد أشبه الاحتراس المعترض بين أجزاء الكلام وأعيد الأمر بالدعاء ليبنى عليه قوله ( خوفا وطمعا ) قصدا لتعليم الباعث على الدعاء بعد أن علموا كيفيته وهذا الباعث تنطوي تحته أغراض الدعاء وأنواعه فلا إشكال في عطف الأمر بالدعاء على مثله لأنهما مختلفان باختلاف متعلقاتهما .
والخوف تقدم عند قوله تعالى ( إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله ) .
والطمع تقدم في قوله ( أفتطمعون أن يؤمنوا لكم ) في سورة البقرة .
وانتصاب ( خوفا وطمعا ) هنا على المفعول لأجله أي أن الدعاء يكون لأجل خوف منه وطمع فيه فحذف متعلق الخوف والطمع لدلالة الضمير المنصوب في ( ادعوه ) .
والواو للتقسيم للدعاء بأنه يكون على نوعين .
فالخوف من غضبه وعقابه والطمع في رضاه وثوابه والدعاء لأجل الخوف نحو الدعاء بالمغفرة والدعاء لأجل الطمع نحو الدعاء بالتوفيق وبالرحمة . وليس المراد أن الدعاء يشتمل على خوف وطمع في ذاته كما فسر به الفخر في السؤال الثالث لأن ذلك وإن صح في الطمع لا يصح في الخوف إلا بسماجة وفي الأمر بالدعاء خوفا وطمعا دليل على أن من حظوظ المكلفين في أعمالهم مراعاة جانب الخوف من عقاب الله والطمع في ثوابه وهذا مما طفحت به أدلة الكتاب والسنة وقد أتى الفخر في السؤال الثاني في تفسير الآية بكلام غير ملاق للمعروف عند علماء الأمة ونزع به نزعة المتصوفة الغلاة وتعقبه يطول فدونك فأنظره إن شئت .
وقد شمل الخوف والطمع جميع ما تتعلق به أغراض المسلمين نحو ربهم في عاجلهم وأجلهم ليدعوا الله بأن ييسر لهم أسباب حصول ما يطمعون وأن يجنبهم أسباب حصول ما يخافون وهذا يقتضي توجه همتهم إلى اجتناب المنهيات لأجل خوفهم من العقاب وإلى امتثال المأمورات لأجل الطمع في الثواب فلا جرم أنه اقتضى الأمر بالإحسان وهو أن يعبدوا الله عبادة من هو حاضر بين يديه فيستحيي من أن يعصيه فالتقدير : وادعوه خوفا وطمعا وأحسنوا بقرينة تعقيبه بقوله ( إن رحمة الله قريب من المحسنين ) . وهذا إيجاز