وجملة ( إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم ) يجوز أن تكون في موقع التعليل كما في الكشاف : أي لمضمون قوله ( ما لكم من إله غيره ) كأنه قيل : اتركوا عبادة غير الله خوفا من عذاب يوم عظيم وبني نظم الكلام على خوف المتكلم عليهم دلالة على إمحاضه النصح لهم وحرضه على سلامتهم حتى جعل ما يضر بهم كأنه يضر به فهو يخافه كما يخافون على أنفسهم وذلك لأن قوله هذا كان في مبدإ خطابهم بما أرسل به ويحتمل أنه قاله بعد أن ظهر منهم التكذيب : إي إن كنتم لا تخافون عذابا فإني أخافه عليكم وهذا من رحمة الرسل بقومهم .
وفعل الخوف يتعدى بنفسه إلى الشيء المخوف منه ويتعدى إلى مفعول ثان بحرف ( على ) إذا كان الخوف من ضر يلحق غير الخائف كما قال الأحوص : .
فإذا تزول تزول على متخمط ... تخشى بوادره على الأقران ويجوز أن تكون مستأنفة ثانية بعد جملة ( اعبدوا الله ) لقصد الإرهاب والإنذار ونكتة بناء نظم الكلام على خوف المتكلم عليهم هي هي .
والعذاب المخوف ويومه يحتمل أنهما في الآخرة أو في الدنيا والأظهر الأول لأن جوابهم بأنه في ضلال مبين يشعر بأنهم أحالوا الوحدانية وأحالوا البعث كما يدل عليه قوله في سورة نوح ( والله أنبتكم من الأرض نباتا ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا ) فحالهم كحال مشركي العرب لأن عبادة الأصنام تمحض أهلها للاقتصار على أغراض الدنيا .
( قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين [ 60 ] ) فصلت جملة ( قال ) على طريقة الفصل في المحاورات واقترن جوابهم بحرف التأكيد للدلالة على أنهم حققوا وأكدوا اعتقادهم أن نوحا منغمس في الضلالة . ( الملأ ) مهموز بغير مد : الجماعة الذين أمرهم واحد ورأيهم واحد لأنهم يمالئ بعضهم بعضا أي يعاونه ويوافقه ويطلق الملأ على أشراف القوم وقادتهم لأن شأنهم أن يكون رأيهم واحدا عن تشاور وهذا المعنى هو المناسب في هذه الآية بقرينة " من " الدالة على التبعيض أي أن قادة القوم هم الذين تصدوا لمجادلة نوح والمناضلة عن دينهم بمسمع من القوم الذين خاطب جميعهم والرؤية قلبية بمعنى العلم أي أنا لنوقن أنك في ضلال مبين ولم يوصف الملأ هنا بالذين كفروا أو بالذين استكبروا كما وصف الملأ في قصة هود بالذين كفروا استغناء بدلالة المقام على أنهم كذبوا وكفروا .
وظرفيه ( في ضلال ) مجازية تعبيرا عن تمكن وصف الضلال منه حتى كأنه محيط به من جوانبه إحاطة الظرف بالمظروف .
A E ( والضلال ) اسم مصدر ضل إذا أخطأ الطريق الموصل ( والمبين ) اسم فاعل من أبان المرادف بان وذلك هو الضلال البالغ الغاية في البعد عن طريق الحق وهذه شبهة منهم فإنهم توهموا أن الحق هو ما هم عليه فلا عجب إذا جعلوا ما بعد عنه بعدا عظيما ضلالا بينا لأنه خالفهم وجاء بما يعدونه من المحال إذ نفى الإلهية عن آلهتهم فهذه مخالفة وأثبتها لله وحده فإن كانوا وثنيين فهذه مخالفة أخرى وتوعدهم بعذاب على ذلك وهذه مخالفة أيضا وإن كان العذاب الذي توعدهم به عذاب الآخرة فقد أخبرهم بأمر محال عندهم وهو البعث فهي مخالفة أخرى فضلاله عندهم مبين وقد يتفاوت ظهوره وادعى أن الله أرسله وهذا في زعمهم تعمد كذب وسفاهة عقل وادعاء محال كما حكي عنهم في قوله تعالى ( قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين - وقوله هنا - أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم ) الآية .
( قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين [ 61 ] أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون [ 62 ] أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون [ 63 ] ) فصلت جملة ( قال ) على طريقة فصل المحاورات