و ( الذين هاجروا ) هم المؤمنون من أهل مكة وما حولها الذين هاجروا منها إلى المدينة لما أذنهم النبي A بالهجرة إليها بعد أن أسلموا وذلك قبل فتح مكة .
والمهاجرة : ترك الموطن والحلول ببلد آخر وهي مشتقة من الهجر وهو الترك واشتقت لها صيغة المفاعلة لاختصاصها بالهجر القوي وهو هجر الوطن والمراد بها في عرف الشرع هجرة خاصة : وهي الهجرة من مكة إلى المدينة فلا تشتمل هجرة من هاجر من المسلمين إلى بلاد الحبشة لأنها لم تكن على نية الاستيطان بل كانت هجرة مؤقته وتقدم ذكر الهجرة في آخر سورة الأنفال .
والمفضل عليه محذوف لظهوره : أي أعظم درجة عند الله من أصحاب السقاية والعمارة الذين آمنوا ولم يهاجروا ولم يجاهدوا الجهاد الكثير الذي جاهده المسلمون أيام بقاء أولئك في الكفر والمقصود تفضيل خصالهم .
والدرجة تقدمت عند قوله تعالى ( وللرجال عليهن درجة ) في سورة البقرة . وقوله ( لهم درجات عند ربهم ) في أوائل الأنفال . وهي في كل ذلك مستعارة لرفع المقدار . و ( عند الله ) إشارة إلى أن رفعة مقدارهم رفعة رضى من الله وتفضيل بالتشريف لأن أصل ( عند ) أنها ظرف للقرب .
وجملة ( وأولئك هم الفائزون ) معطوفة على ( أعظم درجة ) أي : أعظم وهم أصحاب الفوز . وتعريف المسند باللام مفيد للقصر وهو قصر ادعائي للمبالغة في عظم فوزهم حتى إن فوز غيرهم بالنسبة إلى فوزهم يعد كالمعدوم .
A E والإتيان باسم الإشارة للتنبيه على أنهم استحقوا الفوز لأجل تلك الأوصاف التي ميزتهم : وهي الإيمان والهجرة والجهاد بالأموال والأنفس .
( يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم ) بيان للدرجة العظيمة التي في قوله ( أعظم درجة عند الله ) فتلك الدرجة هي عناية الله تعالى بهم بإدخال المسرة عليهم وتحقيق فوزهم وتعريفهم برضوانه عليهم ورحمته بهم وبما أعد لهم من النعيم الدائم ومجموع هذه الأمور لم يمنحه غيرهم من أهل السقاية والعمارة الذين وإن صلحوا لأن ينالوا بعض هذه المزايا فهم لم ينالوا جميعها .
والتبشير : الإخبار بخير يحصل للمخبر لم يكن عالما به .
فإسناد التبشير إلى اسم الجلالة بصيغة المضارع المفيد للتجدد مؤذن بتعاقب الخيرات عليهم وتجدد إدخال السرور بذلك لهم لأن تجدد التبشير يؤذن بأن المبشر به شيء لم يكن معلوما للمبشر " بفتح الشين " وإلا لكان الإخبار به تحصيلا للحاصل وكون المسند إليه لفظ الرب دون غيره مما يدل على الخالق سبحانه إيماء إلى الرحمة بهم والعناية : لأن معنى الربوبية يرجع إلى تدبير المربوب والرفق به واللطف به ولتحصل به الإضافة إلى ضميرهم إضافة تشريف .
وتقدمت الرحمة في قوله ( الرحمان الرحيم ) .
والرضوان بكسر الراء وبضمها : الرضا الكامل الشديد لأن هذه الصيغة تشعر بالمبالغة مثل الغفران والشكران والعصيان .
والجنات تقدم الكلام عليها في ذكر الجنة في سورة البقرة وجمعها باعتبار مراتبها وأنواعها وأنواع النعيم فيها .
والنعيم : ما به التذاذ النفس باللذات المحسوسة وهو أخص من النعمة . قال تعالى ( إن الأبرار لفي نعيم ) وقال ( ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ) .
والمقيم المستمر استعيرت الإقامة للدوام والاستمرار .
والتنكير في ( برحمة ورضوان وجنات ونعيم ) للتعظيم بقرينة المقام وقرينة قوله ( منه ) وقرينة كون تلك مبشرا بها .
وجملة ( إن الله عنده أجر عظيم ) تذييل وتنويه بشأن المؤمنين المهاجرين المجاهدين لأن مضمون هذه الجملة يعم مضمون ما قبلها وغيره وفي هذا التذييل إفادة أن ما ذكر من عظيم درجات المؤمنين المهاجرين المجاهدين هو بعض ما عند الله من الخيرات فيحصل من ذلك الترغيب في الازدياد من الأعمال الصالحة ليزدادوا رفعة عند ربهم كما قال أبو بكر الصديق Bه " ما على من دعي من جميع تلك الأبواب من ضرورة " .
والأجر : العوض المعطى على عمل وتقدم في قوله ( إذا آتيتموهن أجورهن ) في سورة العقود