وأما قوله ( الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر إلى قوله ورسوله ) فإدماج . فليس المقصود اقتصار القتال على من اجتمعت فيهم الصفات الأربع بل كل الصفة المقصودة هي التي أردفت بالتبيين بقوله ( من الذين أوتوا الكتاب ) وما عداها إدماج وتأكيد لما مضى فالمشركون لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون شيئا مما حرم الله ورسوله لأنهم لا شريعة لهم فليس عندهم حلال وحرام ولا يدينون دين الحق وهو الإسلام وأما اليهود والنصارى فيؤمنون بالله واليوم الآخر ويحرمون ما حرم الله في دينهم ولكنهم لا يدينون دين الحق وهو الإسلام ويلحق بهم المجوس فقد كانت هذه الأديان هي الغالبة على أمم المعروف من العالم يومئذ فقد كانت الروم نصارى وكان في العرب نصارى في بلاد الشام وطي وكلب وقضاعة وتغلب وبكر وكان المجوس ببلاد الفرس وكان فرق من المجوس في القبائل التي تتبع ملوك الفرس من تميم وبكر والبحرين وكانت اليهود في خيبر وقريظة والنضير وأشتات في بلاد اليمن وقد توفرت في أصحاب هذه الأديان من أسباب الأمر بقتالهم ما أومأ إليه اختيار طريق الموصولية لتعريفهم بتلك الصلات لأن الموصولية أمكن طريق في اللغة لحكاية أحوال كفرهم .
ولا تحسبن أن عطف جمل على جملة الصلة يقتضي لزوم اجتماع تلك الصلات لكل ما صدق عليه اسم الموصول فإن الواو لا تقيد إلا مطلق الجمع في الحكم فإن اسم الموصول قد يكون مرادا به واحد فيكون كالمعهود باللام وقد يكون المراد به جنسا أو أجناسا مما يثبت له معنى الصلة أو الصلات على أن حرف العطف نائب عن العامل فهو بمنزلة إعادة اسم الموصول سواء وقع الاقتصار على حرف العطف كما في هذه الآية أم جمع بين حرف العطف وإعادة اسم الموصول بعد حرف العطف كما في قوله تعالى ( وعباد الرحمان الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما . والذين يبيتون سجدا وقياما والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما إنها ساءت مستقرا ومقاما والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ) فقد عطفت فيها ثمانية أسماء موصولة على اسم الموصول ولم يقتض ذلك أن كل موصول مختص الما صدق على طائفة خاصة بل العبرة بالاتصاف بمضمون إحدى تلك الصلات جميعها بالأولى والتعويل في مثل هذا على القرائن .
وقوله ( من الذين أوتوا الكتاب ) بيان لأقرب صلة منه وهي صلة ( ولا يدينون دين الحق ) والأصل في البيان أن يكون بلصق المبين لأن البيان نظير البدل المطابق وليس هذا من فروع مسألة الصفة ونحوها الواردة بعد جمل متعاطفة مفرد وليس بيانا لجملة الصلة على أن القرينة ترده إلى مرده . وفائدة ذكره التنديد عليهم بأنهم أوتوا الكتاب ولم يدينوا دين الحق الذي جاء به كتابهم وإنما دانوا بما حرفوا منه وما أنكروا منه وما ألصقوا به ولو دانوا دين الحق لاتبعوا الإسلام لأن كتابهم الذي أوتوه أوصاهم باتباع النبي الآتي من بعد ( وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيناكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أ أقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون أفغير دين الله تبغون ) .
وقوله ( ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ) . بمعنى لا يجعلون حراما ما حرمه الله فإن مادة فعل تستعمل في جعل المفعول متصفا بمصدر الفعل فيفيد قوله ( ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ) أنهم يجعلونه غير حرام والمراد أنهم يجعلونه مباحا . والمقصود من هذا تشنيع حالهم وإثارة كراهيتهم لهم بأنهم يستبيحون ما حرمه الله على عباده ولما كان ما حرمه الله قبيحا منكرا لقوله تعالى ( ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ) لا جرم أن الذين يستبيحونه دلوا على فساد عقولهم فكانوا أهلا لردعهم عن باطلهم على أن ما حرم الله ورسوله شامل لكليات الشريعة الضروريات كحفظ النفس والنسب والمال والعرض والمشركون لا يحرمون ذلك .
والمراد ب ( رسوله ) محمد A كما هو متعارف القرآن ولو أريد غيره من الرسل لقال ورسله لأن الله ما حرم على لسان رسوله إلا ما هو حقيق بالتحريم .
A E