قال بهذا القول فرقة من اليهود فألصق القول بهم جميعا لأن سكوت الباقين عليه وعدم تغييره يلزمهم الموافقة عليه والرضا به وقد ذكر اسم عزرا في الآية بصيغة التصغير فيحتمل أنه لما عرب عرب بصيغة تشبه صيغة التصغير فيكون كذلك اسمه عند يهود المدينة ويحتمل أن تصغيره جرى على لسان يهود المدينة تحبيبا فيه .
قرأ الجمهور ( عزير ) ممنوعا من التنوين للعجمة وهو ما جزم به الزمخشري وقرأه عاصم الكسائي ويعقوب : بالتنوين على اعتباره عربيا بسبب التصغير الذي أدخل عليه لأن التصغير لا يدخل في الأعلام العجمية وهو ما جزم به عبد القاهر في فصل النظم من دلائل الإعجاز وتأول قراءة ترك التنوين بوجهين لم يرتضهما الزمخشري .
وأما قول النصارى ببنوة المسيح فهو معلوم مشهور . وقد مضى الكلام على المسيح عند قوله تعالى ( وآتينا عيسى ابن مريم البينات ) في سورة البقرة . وعند قوله تعالى ( اسمه المسيح عيسى ابن مريم ) في سورة آل عمران .
والإشارة ب ( ذلك ) إلى القول المستفاد من ( قالت اليهود وقالت النصارى ) . والمقصود من الإشارة تشهير القول وتمييزه زيادة في تشنيعه عند المسلمين .
و ( بأفواههم ) حال من القول والمراد أنه قول لا يعدو الوجود في اللسان وليس له ما يحققه في الواقع وهذا كناية عن كونه كاذبا كقوله تعالى ( كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا ) . وفي هذا أيضا إلزام لهم بهذا القول وسد باب تنصلهم منه إذ هو إقرارهم بأفواههم وصريح كلامهم .
والمضاهاة : المشابهة وإسنادها إلى القائلين : على تقدير مضاف ظاهر من كلام أي يضاهي قولهم .
و ( الذين كفروا من قبل ) هم المشركون : من العرب ومن اليونان وغيرهم وكونهم من قبل النصارى ظاهر وأما كونهم من قبل اليهود : فلأن اعتقاد بنوة عزير طارئ في اليهود وليس من عقيدة قدمائهم .
وجملة ( قاتلهم الله ) دعاء مستعمل في التعجيب وهو مركب يستعمل في التعجب من عمل شنيع والمفاعلة فيه للمبالغة في الدعاء : أي قتلهم الله قتلا شديدا . وجملة التعجيب مستأنفة كشأن التعجب .
وجملة ( أنى يؤفكون ) مستأنفة . والاستفهام فيها مستعمل في التعجيب من حالهم في الاتباع الباطل حتى شبه المكان الذي يصرفون إليه باعتقادهم بمكان مجهول من شأنه أن يسأل عنه باسم الاستفهام عن المكان ومعنى ( يؤفكون ) يصرفون . يقال : أفكه يأفكه إذا صرفه قال تعالى ( يؤفك عنه من أفك ) والإفك بمعنى الكذب قد جاء من هذه المادة لأن الكاذب يصرف السامع عن الصدق وقد تقدم ذلك غير مرة .
( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا ألها واحدا لا أله إلا هو سبحانه عما يشركون ) الجملة تقرير لمضمون جملة ( وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ) ليبنى على التقرير زيادة التشنيع بقوله ( وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا الخ فوزان هذه الجملة وزان جملة ( اتخذوه وكانوا ظالمين ) بعد جملة ( واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ) . والضمير لليهود والنصارى .
والأحبار جمع حبر بفتح الحاء وهو العالم من علماء اليهود .
الرهبان اسم جمع لراهب وهو التقي المنقطع لعبادة الله من أهل دين النصرانية وإنما خص الحبر بعالم اليهود لأن عظماء دين اليهودية يشتغلون بتحرير علوم شريعة التوراة فهم علماء في الدين وخص الراهب بعظيم دين النصرانية لأن دين النصارى قائم على أصل الزهد في الدنيا والانقطاع للعبادة .
ومعنى اتخاذهم هؤلاء أربابا أن اليهود ادعوا لبعضهم بنوة الله تعالى وذلك تأليه وأن النصارى أشد منهم في ذلك إذ كانوا يسجدون لصور عظماء ملتهم مثل صورة مريم وصور الحواريين وصورة يحيى بن زكرياء والسجود من شعار الربوبية وكانوا يستنصرون بهم في حروبهم ولا يستنصرون بالله .
A E