وهذا حال كثير من طوائفهم وفرقهم ولأنهم كانوا يأخذون بأقوال أحبارهم ورهبانهم المخالفة لما هو معلوم بالضرورة انه من الدين فكانوا يعتقدون أن أحبارهم ورهبانهم يحللون ما حرم الله ويحرمون ما أحل الله وهذا مطرد في جميع أهل الدينين ولذلك أفحم به النبي A عديا بن حاتم لما وفد عليه قبيل إسلامه لما سمع قوله تعالى ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ) وقال عدي : لسنا نعبدهم فقال ( أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحلون ما حرم الله فتستحلونه فقلت : بلى قال : فتلك عبادتهم ) فحصل من مجموع أقوال اليهود والنصارى أنهم جعلوا لبعض أحبارهم ورهبانهم مرتبة الربوبية في اعتقادهم فكانت الشناعة لازمة للأمتين ولو كان من بينهم من لم يقل بمقالهم كما زعم عدي بن حاتم فإن الأمة تؤاخذ بما يصدر من أفرادها إذا أقرته ولم تنكره ومعنى اتخاذهم أربابا من دون الله أنهم اتخذوهم أربابا دون أن يفردوا الله بالوحدانية وتخصيص المسيح بالذكر لأن تأليه النصارى إياه أشنع وأشهر .
وجملة ( وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا ) في موضع الحال من ضمير ( اتخذوا أحبارهم ) وهي محط زيادة التشنيع عليهم وإنكار صنيعهم بأنهم لا عذر لهم فيما زعموا لأن وصايا كتب الملتين طافحة بالتحذير من عبادة المخلوقات ومن إشراكها في خصائص الإلهية .
وجملة ( لا اله إلا هو ) صفة ثانية ل ( إلها واحدا ) .
وجملة ( سبحانه عما يشركون ) مستأنفة لقصد التنزيه والتبرئ مما افتروا على الله تعالى ولذلك سمي ذلك إشراكا .
( يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون ) استئناف ابتدائي لزيادة إثارة غيظ المسلمين على أهل الكتاب بكشف ما يضمرونه للإسلام من الممالاة والتألب على مناواة الدين حين تحققوا أنه في انتشار وظهور فثار حسدهم وخشوا ظهور فضله على دينهم فالضمير في قوله ( يريدون ) عائد إلى ( الذين أوتوا الكتاب ) والإطفاء إبطال الإسراج وإزالة النور بنفخ عليه أو هبوب رياح أو إراقة مياه على الشيء المستنير من سراج أو جمر .
والنور الضوء وقد تقدم عند قوله تعالى ( نورا وهدى للناس ) في سورة الأنعام . والكلام تمثيل لحالهم في محاولة تكذيب النبي A وصد الناس عن اتباع الإسلام وإعانة المناوئين للإسلام بالقول والإرجاف والتحريض على المقاومة . والانضمام إلى صفوف الأعداء في الحروب ومحاولة نصارى الشام الهجوم على المدينة بحال من يحاول إطفاء نور بنفخ فمه عليه فهذا الكلام مركب مستعمل في غير ما وضع له على طريقة تشبيه الهيئة بالهيئة ومن كمال بلاغته أنه صالح لتفكيك التشبيه بأن يشبه الإسلام وحده بالنور ويشبه محاولو إبطاله بمريدي إطفاء النور ويشبه الإرجاف والتكذيب بالنفخ ومن الرشاقة أن آلة النفخ وآلة التكذيب واحدة وهي الأفواه . والمثال المشهور للتمثيل الصالح لاعتباري التركيب والتفريق قول بشار : .
كأن مثار النقع فوق رؤوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه ولكن التفريق في تمثيلية الآية أشد استقلالا بخلاف بيت بشار كما يظهر بالتأمل .
وإضافة النور إلى اسم الجلالة إشارة إلى أن محاولة إطفائه عبث وأن أصحاب تلك المحاولة لا يبلغون مرادهم .
والإباء والإباية : الامتناع من الفعل وهو هنا تمثيل لإرادة الله تعالى إتمام ظهور الإسلام بحال من يحاوله محاول على فعل وهو يمتنع منه لأنهم لما حاولوا طمس الإسلام كانوا في نفس الأمر محاولين إبطال مراد الله تعالى فكان حالهم في نفس الأمر كحال من يحاول من غيره فعلا وهو يأبى أن يفعله .
والاستثناء مفرغ وإن لم يسبقه نفي لأنه أجري فعل يأبى مجرى نفي الإرادة كأنه قال : ولا يريد الله إلا أن يتم نوره ذلك أن فعل ( أبى ) ونحوه فيه جانب نفي لأن إباية شيء جحد له فقوي جانب النفي هنا لوقوعه في مقابلة قوله ( يريدون أن يطفئوا نور الله ) . فكان إباء ما يريدونه في معنى نفي إرادة الله ما أرادوه . وبذلك يظهر الفرق بين هذه الآية وبين أن يقول قائل " كرهت إلا أخاك " .
A E