ويجوز أن يكون الظلم بمعنى الاعتداء ويكون المراد بالأنفس أنفس غير الظالمين وإضافتها إلى ضمير المخاطبين للتنبيه على أن الأمة كالنفس من الجسد على حد قوله تعالى ( فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم ) أي على الناس الذين فيها على أرجح التأويلين في تلك الآية وكقوله ( إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم ) والمراد على هذا تأكيد حكم الأمن في هذه الأشهر أي لا يعتدي أحد على آخر بالقتال كقوله تعالى ( جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام ) وإنما يستقيم هذا المعنى بالنسبة لمعاملة المسلمين مع المشركين فيكون هذا تأكيدا لمنطوق قوله ( فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ) ولمفهوم قوله ( فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين ) وهي مقيدة بقوله ( فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ) وقوله ( الشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ) . ولذلك لا يشكل الأمر بمقاتلة الرسول E هوازن أياما من ذي القعدة لأنهم ابتدأوا بقتال المسلمين قبل دخول الأشهر الحرم فاستمرت الحرب إلى أن دخلوا في شهر ذي القعدة وما كان ليكف القتال عند مشارفة هزيمة المشركين وهم بدأوهم أول مرة وعلى هذا المحمل يكون حكم هذه الآية قد انتهى بانقراض المشركين من بلاد العرب بعد سنة الوفود .
A E والمحمل الأول للآية أخذ به الجمهور وأخذ بالمحمل الثاني جماعة : فقال ابن المسيب وابن شهاب وقتادة وعطاء الخراساني حرمت الآية القتال في الأشهر الحرم ثم نسخت بإباحة الجهاد في جميع الأوقات فتكون هذه الآية مكملة لما بقي من مدة حرمة الأشهر الحرم حتى يعم جميع بلاد العرب حكم الإسلام بإسلام جمهور القبائل وضرب الجزية على بعض قبائل العرب وهم النصارى واليهود . وقال عطاء ابن أبي رباح : يحرم الغزو في الأشهر الحرم إلا أن يبدأ العدو فيها بالقتال ولا نسخ في الآية .
( وقاتلوا المشركين كآفة كما يقاتلونكم كآفة واعلموا أن الله مع المتقين ) أحسب أن موقع هذه الآية موقع الاحتراس من ظن أن النهي عن انتهاك الأشهر الحرم يقتضي النهي عن قتال المشركين فيها إذا بدأوا بقتال المسلمين وبهذا يؤذن التشبيه التعليلي في قوله ( كما يقاتلونكم كافة ) فيكون المعنى فلا تنتهكوا حرمة الأشهر الحرم بالمعاصي أو باعتدائكم على أعدائكم فإن هم بادأوكم بالقتال فقاتلوهم على نحو قوله تعالى ( الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ) فمقصود الكلام هو الأمر بقتال المشركين الذين يقاتلون المسلمين في الأشهر الحرم وتعليله بأنهم يستحلون تلك الأشهر في قتالهم المسلمين .
و ( كافة ) كلمة تدل على العموم والشمول بمنزلة ( كل ) لا يختلف لفظها باختلاف المؤكد من أفراد وتثنية وجمع ولا من تذكير وتأنيث وكأنه مشتق من الكف عن استثناء بعض الأفراد ومحلها نصب على الحال من المؤكد بها فهي في الأول تأكيد لقوله ( المشركين ) وفي الثاني تأكيد لضمير المخاطبين والمقصود من تعميم الذوات تعميم الأحوال لأنه تبع لعموم الذوات أي كل فرق المشركين فكل فريق وجد في حالة ما وكان قد بادأ المسلمين بالقتال فالمسلمون مأمورون بقتاله فمن ذلك : كل فريق يكون كذلك في الأشهر الحرم وكل فريق يكون كذلك في الحرم .
والكاف في ( كما يقاتلونكم ) أصلها كاف التشبيه استعيرت للتعليل بتشبيه الشيء المعلول بعلته لأنه يقع على مثالها ومنه قوله تعالى ( واذكروه كما هداكم ) .
وجملة ( واعلموا أن الله مع المتقين ) تأييد وضمان بالنصر عند قتالهم المشركين لأن المعية هنا معية تأييد على العمل وليست معية علم إذ لا تختص معية العلم بالمتقين .
وابتدئت الجملة ب ( اعلموا ) للاهتمام بمضمونها كما تقدم في قوله تعالى ( واعلموا أن ما غنمتم من شيء ) الآية بحيث يجب أن يعلموه ويعوه