والجملة بمنزلة التذييل لما قبلها من أجل ما فيها من العموم في المتقين دون أن يقال واعلموا أن الله معكم ليحصل من ذكر الاسم الظاهر معنى العموم فيفيد أن المتصفين بالحال المحكية في الكلام السابق معدودون من جملة المتقين لئلا يكون ذكر جملة ( واعلموا أن الله مع المتقين ) غريبا عن السياق فيحصل من ذلك كلام مستقل يجري مجرى المثل وإيجاز يفيد أنهم حينئذ من المتقين وأن الله يؤيدهم لتقواهم وأن القتال في الأشهر الحرم في تلك الحالة طاعة لله وتقوى وأن المشركين حينئذ هم المعتدون على حرمة الأشهر وهم الحاملون على المقابلة بالمثل للدفاع عن النفس .
( إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكفرين ) استئناف بياني ناشئ عن قوله تعالى ( إن عدة الشهور عند الله ) الآية لأن ذلك كالمقدمة إلى المقصود وهو إبطال النسيء وتشنيعه .
A E والنسيء يطلق على الشهر الحرام الذي أرجئت حرمته وجعلت لشهر آخر فالنسيء فعيل بمعنى مفعول من نسأ المهموز اللام ويطلق مصدرا بوزن فعيل مثل نذير من قوله ( فكيف كان نذير ) ومثل النكير والعذر وفعله نسأ المهموز أي أخر فالنسيء بهمزة بعد الياء في المشهور . وبذلك قرأه جمهور العشرة . وقرأه ورش عن نافع بياء مشددة في آخره على تخفيف الهمزة ياء وإدغامها في أختها والأخبار عن النسيء بأنه زيادة إخبار بالمصدر كما أخبر عن هاروت وماروت بالفتنة في قوله ( إنما نحن فتنة ) .
والنسيء عند العرب تأخير يجعلونه لشهر حرام فيصيرونه حلالا ويحرمون شهرا آخر من الأشهر الحلال عوضا عنه في عامه .
والداعي الذي دعا العرب إلى وضع النسيء أن العرب سنتهم قمرية تبعا للأشهر فكانت سنتهم اثني عشر شهرا قمرية تامة وداموا على ذلك قرونا طويلة ثم بدا لهم فجعلوا النسيء .
وأحسن ما روي في صفة ذلك قول أبي وائل أن العرب كانوا أصحاب حروب وغارات فكان يشق عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر متوالية لا يغيرون فيها فقالوا لئن توالت علينا ثلاثة أشهر لا نصيب فيها شيئا لنهلكن . وسكت المفسرون عما نشأ بعد قول العرب هذا ووقع في بعض ما رواه الطبري والقرطبي ما يوهم أن أول من نسألهم النسيء هو جنادة بن عوف وليس الأمر ذلك لأن جنادة بن عوف أدرك الإسلام وأمر النسيء متوغل في القدم والذي يجب اعتماده أن أول من نسأ النسيء هو حذيفة ابن عبد نعيم أو فقيم " ولعل نعيم تحريف فقيم لقول ابن عطية اسم نعيم لم يعرف في هذا " . وهو الملقب بالقلمس ولا يوجد ذكر بني فقيم في جمهرة ابن حزم وقد ذكره صاحب القاموس وابن عطية . قال بن حزم أول من نسأ الشهور سرير " كذا ولعله سري " بن ثعلبة بن الحارث ابن مالك بن كنانة ثم ابن أخيه عدي بن عامر بن ثعلبة . وفي ابن عطية خلاف ذلك قال : انتدب القلمس وهو حذيفة بن عبد فقيم فنسأ لهم الشهور . ثم خلفه ابنه عباد . ثم ابنه قلع ثم ابنه أمية ثم ابنه عوف ثم ابنه أبو ثمامة جنادة وعليه قام الإسلام قال ابن عطية كان بنو فقيم أهل دين في العرب وتمسك بشرع إبراهيم فانتدب منهم القلمس وهو حذيفة بن عبد فقيم فنسأ الشهور للعرب . وفي تفسير القرطبي عن الضحاك عن ابن عباس أول من نسأ عمرو بن لحي " أي الذي أدخل عبادة الأصنام في العرب وبحر البحيرة وسيب السائبة " . وقال الكلبي أول من نسأ رجل من بني كنانة يقال له نعيم بن ثعلبة