وجملة ( زين لهم سوء أعمالهم ) مستأنفة استئنافا بيانيا : لأن ما حكي من اضطراب حالهم يثير سؤال السائلين عن سبب هذا الضغث من الضلال الذي تملأوه فقيل : لأنهم زين لهم سوء أعمالهم أي لأن الشيطان زين لهم سوء أعمالهم فحسن لهم القبيح .
والتزيين التحسين أي جعل شيء زينا وهو إذا يسند إلى ما لا تتغير حقيقته فلا يصير حسنا يؤذن بأن التحسين تلبيس . وتقدم التزيين في قوله تعالى ( زين للذين كفروا الحياة الدنيا ) في سورة البقرة وقوله ( كذلك زينا لكل أمة عملهم ) في سورة الأنعام .
وفي هذا الاستئناف معنى التعليل لحالهم العجيبة حتى يزول تعجب السامع منها .
وجملة ( والله لا يهدي القوم الكافرين ) عطف على جملة ( زين لهم سوء أعمالهم ) فهي مشمولة لمعنى الاستئناف البياني المراد منه التعليل لتلك الحالة الغريبة لأن التعجيب من تلك الحالة يستلزم التعجيب من دوامهم على ضلالهم وعدم اهتدائهم إلى ما في صنيعهم من الاضطراب حتى يقلعوا عن ضلالهم فبعد أن أفيد السائل بأن سبب ذلك الاضطراب هو تزيين الشيطان لهم سوء أعمالهم أفيد بأن دوامهم عليه لأن الله أمسك عنهم اللطف والتوفيق الذين بهما يتفطن الضال لضلاله فيقلع عنه جزاءا لهم على ما أسلفوه من الكفر فلم يزالوا في دركات الضلال إلى أقصى غاية .
والإظهار في مقام الإضمار بقوله ( القوم الكافرين ) لقصد إفادة التعميم الذي يشملهم وغيرهم أي : هذا شأن الله جميع الكافرين .
واعلم أن حرمة الأزمان والبقاع إنما تتلقى عن الوحي الإلهي لأن الله الذي خلق هذا العالم هو الذي يسن له نظامه فبذلك تستقر حرمة كل ذي حرمة في نفوس جميع الناس إذ ليس في ذلك عمل لبعضهم دون بعض فإذا أدخل على ما جعله الله من ذلك تغيير تقشعت الحرمة من النفوس فلا يرضى فريق بما وضعه غيره من الفرق فلذلك كان النسيء زيادة في الكفر لأنه من الأوضاع التي اصطلح عليها الناس كما اصطلحوا على عبادة الأصنام بتلقين عمرو بن لحي .
A E وقد أوحى الله لرسوله A أن العام الذي يحج فيه يصادف يوم الحج منه يوم تسعة من ذي الحجة على الحساب الذي يتسلسل من يوم خلق الله السماوات والأرض وأن فيه يندحض أثر النسيء ولذلك قال النبي A في خطبة حجة الوداع " إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض " قالوا فصادفت حجة أبي بكر سنة تسع أنها وقعت في شهر ذي القعدة بحساب النسيء فجاءت حجة النبي A في شهر ذي الحجة في الحساب الذي جعله الله يوم خلق السماوات والأرض .
( يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل ) هذا ابتداء خطاب للمؤمنين للتحريض على الجهاد في سبيل الله بطريقة العتاب على التباطئ بإجابة دعوة النفير إلى الجهاد والمقصود بذلك غزوة تبوك . قال ابن عطية : " لا اختلاف بين العلماء في أن هذه الآية نزلت عتابا على تخلف من تخلف عن غزوة تبوك إذ تخلف عنها قبائل ورجال من المؤمنين والمنافقون " فالكلام متصل بقوله ( وقاتلوا المشركين كافة ) وبقوله ( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر إلى قوله فذوقوا ما كنتم تكنزون ) كما أشرنا إليه في تفسير تلك الآيات . وهو خطاب للذين حصل منهم التثاقل وكان رسول الله A استنفر المسلمين إلى تلك الغزوة وكان ذلك في وقت حر شديد واستقبل سفرا بعيدا ومفازا حين نضجت الثمار وطابت الظلال وكان المسلمون يومئذ في شدة حاجة إلى الظهر والعدة . فلذلك سميت غزوة العسرة كما سيأتي في هذه السورة فجلى رسول الله للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم وأخبرهم بوجهه الذي يريد وكان قبل ذلك لا يريد غزوة إلا ورى بما يوهم مكانا غير المكان المقصود فحصل لبعض المسلمين تثاقل ومن بعضهم تخلف فوجه الله إليهم هذا الملام المعقب بالوعيد