ثم جوز أن تكون جملة ( وأيده بجنود ) معطوفة على جملة ( فأنزل الله سكينته عليه ) عطف تفسير فيكون المراد بالجنود الملائكة الذين ألقوا الحيرة في نفوس المشركين فصرفوهم عن استقصاء البحث عن النبي A وإكثار الطلب وراءه والرصد له في الطرق المؤدية والسبل الموصلة لا سيما ومن الظاهر أنه قصد يثرب مهاجر أصحابه ومدينة أنصاره فكان سهلا عليهم أن يرصدوا له طرق ويحتمل أن تكون معطوفة على جملة ( أخرجه ) والتقدير : وإذ أيده بجنود لم تروها أي بالملائكة يوم بدر ويوم الأحزاب ويوم حنين كما مر في قوله ( ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها ) .
" والكلمة " أصلها اللفظة من الكلام ثم أطلقت على الأمر والشأن ونحو ذلك من كل ما يتحدث به الناس ويخبر المرء به عن نفسه من شأنه قال تعالى ( وجعلها كلمة باقية في عقبه ) " أي أبقى التبرئ من الأصنام والتوحيد لله شأن عقبه وشعارهم " وقال ( وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات ) أي بأشياء من التكاليف كذبح ولده واختتانه وقال لمريم ( إن الله يبشرك بكلمة منه ) أي بأمرعجيب أو بولد عجيب وقال ( وتمت كلمات ربك صدقا وعدلا ) أي أحكامه ووعوده ومنه قولهم : لا تفرق بين كلمة المسلمين أي بين أمرهم واتفاقهم وجمع الله كلمة المسلمين فكلمة الذين كفروا شأنهم وكيدهم وما دبروه من أنواع المكر .
ومعنى السفلى الحقيرة لأن السفل يكنى به عن الحقارة وعكسه قوله ( وكلمة الله هي العليا ) فهي الدين وشأن رسوله والمؤمنين وأشعر قوله ( وجعل كلمة الذين كفروا السفلى ) ان أمر المشركين كان بمظن ؟ ة القوة والشدة لأنهم أصحاب عدد كثير وفيهم أهل الرأي والذكاء ولكنهم لما شاقوا الله ورسوله خذلهم الله وقلب حالهم من علو إلى سفل .
A E وجملة ( وكلمة الله هي العليا ) مستأنفة بمنزلة التذييل للكلام لأنه لما أخبر عن كلمة الذين كفروا بأنها صارت سفلى أفاد أن العلاء انحصر في دين الله وشأنه . فضمير الفصل مفيد للقصر ولذلك لم تعطف كلمة الله على كلمة الذين كفرو إذ ليس المقصود إفادة جعل كلمة الله عليا لما يشعر به الجعل من إحداث الحالة بل إفادة أن العلاء ثابت لها ومقصور عليها فكانت الجملة كالتذييل لجعل كلمة الذين كفروا سفلى .
ومعنى جعلها كذلك : أنه لما تصادمت الكلمتان وتناقضتا بطلت كلمة الذين كفروا واستقر ثبوت كلمة الله .
وقرأ يعقوب وحده ( وكلمة الله ) بنصب ( كلمة ) عطفا على ( كلمة الذين كفروا السفلى ) فتكون كلمة الله عليا بجعل الله وتقديره .
وجملة ( والله عزيز حكيم ) تذييل لمضمون الجملتين : لأن العزيز لا يغلبه شيء والحكيم لا يفوته مقصد فلا جرم تكون كلمته العليا وكلمة ضده السفلى .
( انفروا خفافا وثقالا وجهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ) الخطاب للمؤمنين الذين سبق لومهم بقوله ( يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض ) فالنفير المأمور به ما يستقبل من الجهاد . وقد قدمنا أن الاستنفار إلى غزوة تبوك كان عاما لكل قادر على الغزو : لأنها كانت في زمن مشقة وكان المغزو عدوا عظيما فالضير في ( انفروا ) عام للذين استنفروا فتثاقلوا وإنما استنفر القادرون وكان الاستنفار على قدر حاجة الغزو فلا يقتضي هذا الأمر توجه وجوب النفير على كل مسلم في كل غزوة ولا على المسلم العاجز لعمى أو زمانة . أو مرض وإنما يجري العمل في كل غزوة على حسب ما يقتضيه حالها وما يصدر إليهم من نفير . وفي الحديث " وإذا استنفرتم فانفروا " .
و ( خفافا ) جمع خفيف وهو صفة مشبهة من الخفة وهي حالة للجسم تقتضي قلة كمية أجزائه بالنسبة إلى أجسام أخرى متعارفة فيكون سهل التنقل سهل الحمل . والثقال ضد ذلك وتقدم الثقل آنفا عند قوله ( اثاقلتم إلى الأرض ) .
والخفاف والثقال هنا مستعاران لما يشابههما من أحوال الجيش وعلائقهم فالخفة تستعار للإسراع إلى الحرب وكانوا يتمادحون بذلك لدلالتها على الشجاعة والنجدة قال قريط بن أنيف العنبري : .
قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم ... طاروا إليه زرافات ووحدانا