فمن معرفة الليالي تعرف الأشهر ومن معرفة الأشهر تعرف السنة . وفي ذلك رفق بالناس في ضبط أمورهم وأسفارهم ومعاملات أموالهم وهو أصل الحضارة . وفي هذه الآية إشارة إلى أن معرفة ضبط التاريخ نعمة أنعم الله بها على البشر .
وجملة ( ما خلق الله ذلك إلا بالحق ) مستأنفة كالنتيجة للجملة السابقة كلها لأنه لما أخبر بأنه الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وذكر حكمة بعض ذلك أفضى إلى الغرض من ذكره وهو التنبيه إلى ما فيها من الحكمة ليستدل بذلك على أن خالقهما فاعل مختار حكيم ليستفيق المشركون من غفلتهم عن تلك الحكم كما قال تعالى في هذه السورة ( والذين هم عن آياتنا غافلون ) .
A E والباء للملابسة . و ( الحق ) هنا مقابل للباطل . فهو بمعنى الحكمة والفائدة لأن الباطل من إطلاقاته أن يطلق على العبث وانتفاء الحكمة فكذلك الحق يطلق على مقابل ذلك . وفي هذا رد على المشركين الذين لم يهتدوا لما في ذلك من الحكمة الدالة على الوحدانية وأن الخالق لها ليس إلهتهم . قال تعالى ( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا ) . وقال ( وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون ) .
ولذلك أعقب هذا التنبيه بجملة ( نفصل الآيات لقوم يعلمون ) فهذه الجملة مستأنفة ابتدائية مسوقة للامتنان بالنعمة ولتسجيل المؤاخذة على الذين لم يهتدوا بهذه الدلائل إلى ما تحتوي عليه من البيان . ويجوز أن تكون الجملة في موضع الحال من اسم الجلالة في قوله ( ما خلق الله ذلك إلا بالحق ) . فعلى قراءة ( نفصل ) بالنون وهي لنافع والجمهور ورواية عن ابن كثير ففي ضمير صاحب الحال التفات وعلى قراءة ( يفصل ) بالتحتية وهي لابن كثير في المشهور عنه وأبي عمرو وابن عامر ويعقوب أمرها ظاهر .
والتفصيل : التبيين لأن التبيين يأتي على فصول الشيء كلها . وقد تقدم عند قوله تعالى ( وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين ) في سورة الأنعام .
والإتيان بالفعل المضارع لإفادة التكرار .
وجعل التفصيل لأجل قوم يعلمون أي الذين من شأنهم العلم لما يؤذن به المضارع من تجدد العلم وإنما يتجدد لمن هو ديدنه ودأبه فإن العلماء أهل العقول الراجحة هم أهل الانتفاع بالأدلة والبراهين .
وذكر لفظ ( قوم ) إيماء إلى أنهم رسخ فيهم وصف العلم فكان من مقومات قوميتهم كما تقدم في قوله ( لآيات لقوم يعقلون ) في سورة البقرة . وفي هذا تعريض بأن الذين لم ينتفعوا بتفصيل الآيات ليسوا من الذين يعلمون ولا ممن رسخ فيهم العلم .
( إن في اختلف الليل والنهار وما خلق الله في السماوات والأرض لآيات لقوم يتقون ) استدلال آخر على انفراد الله تعالى بالخلق والتقدير . وهو استدلال بأحوال الضوء والظلمة وتعاقب الليل والنهار وفي ذلك عبرة عظيمة . وهو بما فيه من عطف قوله ( وما خلق الله في السماوات والأرض ) أعم من الدليل الأول لشموله ما هو أكثر من خلق الشمس والقمر ومن خلق الليل والنهار ومن كل ما في الأرض والسماء مما تبلغ إليه معرفة الناس في مختلف العصور وعلى تفاوت مقادير الاستدلال من عقولهم .
وتأكيد هذا الاستدلال بحرف ( إن ) لأجل تنزيل المخاطبين به الذين لم يهتدوا بتلك الدلائل إلى التوحيد منزلة من ينكر أن في ذلك آيات على الوحدانية بعدم جريهم على موجب العلم .
وتقدم القول في شبيهة هذه الآية وهو قوله ( إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر ) الآية في سورة البقرة وفي خواتم سورة آل عمران .
وشمل قوله ( وما خلق الله ) الأجسام والأحوال كلها