وب سایت رسمی مجمع جهانى تقريب مذاهب اسلامى

اهم اخبار تقریب مذاهب اسلامی

مجمع جهانى تقريب مذاهب اسلامى
سایت رسمی مجمع جهانى تقريب مذاهب اسلامى

وجعلت الآيات هنا لقوم يتقون وفي آية البقرة لقوم يعقلون وفي آية آل عمران لأولي الألباب لأن السياق هنا تعريض بالمشركين الذين لم يهتدوا بالآيات ليعلموا أن بعدهم عن التقوى هو سبب حرمانهم من الانتفاع بالآيات وأن نفعها حاصل للذين يتقون أي يحذرون الضلال . فالمتقون هم المتصفون باتقاء ما يوقع في الخسران فيبعثهم على تطلب أسباب النجاح فيتوجه الفكر إلى النظر والاستدلال بالدلائل . وقد مر تعليل ذلك عند قوله تعالى ( هدى للمتقين ) في أول البقرة على أنه قد سبق قوله في الآية قبلها ( نفصل الآيات لقوم يعلمون ) وأما آية البقرة وآية آل عمران فهما واردتان في سياق شامل للناس على السواء . وذكر لفظ ( قوم ) تقدم في الآية قبل هذه .
( إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون ) A E هذا استئناف وعيد للذين لم يؤمنوا بالبعث ولا فكروا في الحياة الآخرة ولم ينظروا في الآيات نشأ عن الاستدلال على ما كفروا به من ذلك جمعا بين الاستدلال المناسب لأهل العقول وبين الوعيد المناسب للمعرضين عن الحق إشارة إلى أن هؤلاء لا تنفعهم الأدلة وإنما ينتفع بها الذين يعلمون ويتقون وأما هؤلاء فهم سادرون في غلوائهم حتى يلاقوا العذاب . وإذ قد تقرر الرجوع إليه للجزاء تأتى الوعيد لمنكري البعث الذين لا يرجون لقاء ربهم والمصير إليه .
ولوقوع هذه الجملة موقع الوعيد الصالح لأن يعلمه الناس كلهم مؤمنهم وكافرهم عدل فيها عن طريقة الخطاب بالضمير إلى طريقة الإظهار وجيء بالموصولية للإيماء إلى أن الصلة علة في حصول الخبر .
وقد جعل عنوان الذين لا يرجون لقاءنا علامة عليهم فقد تكرر وقوعه في القرآن . ومن المواقع ما لا يستقيم فيه اعتبار الموصولية إلا للاشتهار بالصلة كما سنذكر عند قوله تعالى ( وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا ) في هذه السورة .
والرجاء : ظن وقوع الشيء من غير تقييد كون المظنون محبوبا وإن كان ذلك كثيرا في كلامهم لكنه ليس بمتعين . فمعنى ( لا يرجون لقاءنا ) لا يظنونه ولا يتوقعونه .
ومعنى ( رضوا بالحياة الدنيا ) أنهم لم يعملوا النظر في حياة أخرى أرقى وأبقى لأن الرضا بالحياة الدنيا والاقتناع بأنها كافية يصرف النظر عن أدلة الحياة الآخرة وأهل الهدى يرون الحياة الدنيا حياة ناقصة فيشعرون بتطلب حياة تكون أصفى من أكدارها فلا يلبثون أن تطلع لهم أدلة وجودها وناهيك بإخبار الصادق بها ونصب الأدلة على تعين حصولها فلهذا جعل الرضي بالحياة الدنيا مذمة وملقيا في مهواة الخسران .
وفي الآية إشارة إلى أن البهجة بالحياة الدنيا والرضي بها يكون مقدار التوغل فيهما بمقدار ما يصرف عن الاستعداد إلى الحياة الآخرة . وليس ذلك بمقتض الإعراض عن الحياة الدنيا فإن الله أنعم على عباده بنعم كثيرة فيها وجب الاعتراف بفضله بها وشكره عليها والتعرف بها إلى مراتب أعلى هي مراتب حياة أخرى والتزود لها . وفي ذلك مقامات ودرجات بمقدار ما تهيأت له النفوس العالية من لذات الكمالات الروحية وأعلاها مقام قول النبي A " فقلت ما لي وللدنيا " .
والاطمئنان : السكون يكون في الجسد وفي النفس وهو الأكثر قال تعالى : ( يا أيتها النفس المطمئنة ) . وقد تقدم تصريف هذا الفعل عند قوله تعالى ( ولكن ليطمئن قلبي ) في سورة البقرة .
ومعنى ( اطمأنوا بها ) سكنت أنفسهم وصرفوا هممهم في تحصيل منافعها ولم يسعوا لتحصيل ما ينفع في الحياة الآخرة لأن السكون عند الشيء يقتضي عدم التحرك لغيره . وعن قتادة : إذا شئت رأيت هذا الموصوف صاحب دنيا لها يرضى ولها يغضب ولها يفرح ولها يهتم ويحزن .
والذين هم غافلون هم عين الذين لا يرجون اللقاء ولكن أعيد الموصول للاهتمام بالصلة والإيماء إلى أنها وحدها كافية في استحقاق ما سيذكر بعدها من الخبر . وإنما لم يعد الموصول في قوله ( ورضوا بالحياة الدنيا ) لأن الرضى بالحياة الدنيا من تكملة معنى الصلة التي في قوله ( إن الذين لا يرجون لقاءنا )