والمراد بالغفلة : إهمال النظر في الآيات أصلا بقرينة المقام والسياق وبما تومئ إليه الصلة بالجملة الاسمية ( هم عن آياتنا غافلون ) الدالة على الدوام وبتقديم المجرور في قوله عن ( آياتنا غافلون ) من كون غفلتهم غفلة عن آيات الله خاصة دون غيرها من الأشياء فليسوا من أهل الغفلة عنها مما يدل مجموعه على أن غفلتهم عن آيات الله دأب لهم وسجية وأنهم يعتمدونها فتؤول إلى معنى الإعراض عن آيات الله وإباء النظر فيها عنادا ومكابرة . وليس المراد من تعرض له الغفلة عن بعض الآيات في بعض الأوقات .
وأعقب ذلك باسم الإشارة لزيادة إحضار صفاتهم في أذهان السامعين ولما يؤذن به مجيء اسم الإشارة مبتدأ عقب أوصاف من التنبيه على أن المشار إليه جدير بالخبر من أجل تلك الأوصاف كقوله تعالى ( أولئك على هدى من ربهم ) في سورة البقرة .
والمأوى : اسم مكان الايواء أي الرجوع إلى مصيرهم ومرجعهم .
والباء للسببية . والإتيان ب ( ما ) الموصولة في قوله ( بما كسبوا ) للإيماء إلى علة الحكم أي أن مكسوبهم سبب في مصيرهم إلى النار فأفاد تأكيد السببية المفادة بالباء .
A E والإتيان ب ( كان ) للدلالة على أن هذا المكسوب ديدنهم .
والإتيان بالمضارع للدلالة على التكرير فيكون ديدنهم تكرير ذلك الذي كسبوه .
( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ) جاءت هذه الجملة مستأنفة استئنافا بيانيا لتكون أحوال المؤمنين مستقلة بالذكر غير تابعة في اللفظ لأحوال الكافرين وهذا من طرق الاهتمام بالخبر . ومناسبة ذكرها مقابلة أحوال الذين يكذبون بلقاء الله بأضدادها تنويها بأهلها وإغاضة للكافرين .
وتعريف المسند إليه بالموصولية هنا دون اللام للإيماء بالموصول إلى علة بناء الخبر وهي أن إيمانهم وعملهم هو سبب حصول مضمون الخبر لهم .
والهداية : الإرشاد على المقصد النافع والدلالة عليه . فمعنى ( يهديهم ربهم ) يرشدهم إلى ما فيه خيرهم . والمقصود الإرشاد التكويني أي يخلق في نفوسهم المعرفة بالأعمال النافعة وتسهيل الإكثار منها . وأما الإرشاد الذي هو الدلالة بالقول والتعليم فالله يخاطب به المؤمنين والكافرين .
والباء في ( بإيمانهم ) للسببية بحيث إن الإيمان يكون سببا في مضمون الخبر وهو الهداية فتكون الباء لتأكيد السببية المستفادة من التعريف بالموصولية نظير قوله ( إن الذين لا يرجون لقاءنا إلى بما كانوا يكسبون ) في تكوين هدايتهم إلى الخيرات بجعل الله تعالى بأن يجعل الله للإيمان نورا يوضع في عقل المؤمن ولذلك النور أشعة نورانية تتصل بين نفس المؤمن وبين عوالم القدس فتكون سببا مغناطيسيا لانفعال النفس بالتوجه إلى الخير والكمال لا يزال يزداد يوما فيوما ولذلك يقترب من الإدراك الصحيح المحفوظ من الضلال بمقدار مراتب الإيمان والعمل الصالح . وفي الحديث : قد يكون في الأمم محدثون فإن يك في أمتي أحد فعمر بن الخطاب . قال ابن وهب : تفسير محدثون ملهمون الصواب وفي الحديث : اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله . ولأجل هذا النور كان أصحاب النبي A أكمل الناس إيمانا لأنهم لما تلقوا الإيمان عن النبي A كانت أنواره السارية في نفوسهم أقوى وأوسع .
وفي العدول عن اسم الجلالة العلم إلى وصف الربوبية مضافا إلى ضمير ( الذين آمنوا ) تنويه بشأن المؤمنين وشأن هدايتهم بأنها جعل مولى لأولياته فشأنها أن تكون عطية كاملة مشوبة برحمة وكرامة .
والإتيان بالمضارع للدلالة على أن هذه الهداية لا تزال متكررة متجددة .
وفي هذه الجملة ذكر تهيؤ نفوسهم في الدنيا لعروج مراتب الكمال .
وجملة ( تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم ) خبر ثان لذكر ما يحصل لهم من النعيم في الآخرة بسبب هدايتهم الحاصلة لهم في الدنيا . وتقدم القول في نظير ( تجري من تحتها الأنهار ) في سورة البقرة . والمراد من تحت منازلهم . والجنات تقدم . والنعيم تقدم في قوله تعالى ( لهم فيها نعيم مقيم ) في سورة براءة