والتعريف في ( الناس ) يحمل على تعريف الجنس ليشمل جميع الناس . لأن ذلك أنسب بمقام الزجر فليس قوله تعالى ( الناس ) مرادا به خصوص المشركين من أهل مكة الذين عادت عليهم الضمائر المتقدمة في قوله ( ليكفروا بما آتيناهم ) وما بعده من الضمائر وبذلك لا يكون لفظ ( الناس ) إظهار في مقام الإضمار .
A E وضمير ( عليها ) صادق على الأرض وإن لم يجر لها ذكر في الكلام فإن المقام دال عليها . وذلك استعمال معروف في كلامهم كقوله تعالى ( حتى توارت بالحجاب ) يعني الشمس ويقولون : أصبحت باردة يريدون الغداة ويقول أهل المدينة : ما بين لابتيها أحد يفعل كذا يريدون لابتي المدينة .
والدابة : اسم لما يدب على الأرض أي يمشي وتأنيثه بتأويل ذات . وخص اسم ( دابة ) في الاستعمال بالإطلاق على ما عدا الإنسان مما يمشي على الأرض .
وحرف ( لو ) حرف امتناع لامتناع أي حرف شرط يدل على امتناع وقوع جوابه لأجل امتناع وقوع شرطه . وشرط ( لو ) ملازم للزمن الماضي فإذا وقع بعد ( لو ) مضارع انصرف إلى الماضي غالبا .
فالمعنى : لو كان الله مؤاخذا الخلق على شركهم لأفناهم من الأرض وأفنى الدواب معهم أي ولكنه لم يؤاخذهم .
ودليل انتفاء شرط ( لو ) هو انتفاء جوابها ودليل انتفاء جوابها هو المشاهدة فإن الناس والدواب ما زالوا موجودين على الأرض .
ووجه الملازمة بين مؤاخذة الظالمين بذنوبهم وبين إفناء الناس غير الظالمين وإفناء الدواب أن الله خلق الناس ليعبدوه أي ليعترفوا له بالإلهية والوحدانية فيها قوله تعالى ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) وأن ذلك مودع في الفطرة لقوله تعالى ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا ) .
فنعمة الأيجاد تقضي على العاقل أن يشكر موجده فإذا جحد وجوده أو جحد انفراده بالإلهية فقد نقض العهد الذي وجد على شرطه فاستحق المحو من الوجود بالاستئصال والإفناء .
وبذلك تعين أن المراد من الظلم في قوله تعالى ( بظلمهم ) الإشراك أو التعطيل . وأما ما دون ذلك من الاعتداء على حق الله بمعصية أمره أو على حقوق المخلوقات باعتصابها فهو مراتب كثيرة منها اعتداء أحد على وجود إنسان آخر محترم الحياة فيعدمه عمدا فذلك جزاؤه الإفناء لأنه أفنى مماثله ولا يتعداه إلى إفناء من معه وما دون ذلك من الظلم له عقاب دون ذلك فلا يستحق شيء غير الشرك الإهلاك ولكن شأن العقاب أن يقصر على الجاني .
فوجه اقتضاء العقاب على الشرك إفناء جميع المشركين ودوابهم أن إهلاك الظالمين لا يحصل إلا بحوادث عظيمة لا تتحدد بمساحة ديارهم لأن أسباب الإهلاك لا تتحدد في عادة نظام هذا العالم فلذلك يتناول الإهلاك الناس غير الظالمين ويتناول دوابهم .
وإذ قد كان الظلم أي الإشراك لم تخل منه الأرض لزم من إهلاك أهل الظلم سريان الإهلاك إلى جميع بقاع الأرض فاضمحل الناس والدواب فيأتي الفناء في قرون متوالية من زمن نوح مثلا فلا يوجد على الأرض دابة في وقت نزول الآية .
فأما من عسى أن يكون بين الأمة المشركة من صالحين فإن الله يقدر للصالحين أسباب النجاة بأحوال خارقة للعادة كما قال تعالى ( وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون ) . وقد أخبر الله تعالى بأنه نجي هودا والذين آمنوا معه وأخبر بأنه نجى أنبياء آخرين . وكفاك نجاة نوح " عليه السلام " والذين آمنوا معه من الطوفان في السفينة .
وقد دل قوله تعالى ( ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى ) أن تأخيرهم متفاوت الآجال ففي مدد تلك الآجال تبقى أقوام كثيرة تعمر بهم الأرض فذلك سبب بقاء أمم كثيرة من المشركين ومن حولهم .
واقتضى قوله تعالى ( من دابة ) إهلاك دواب الناس معهم لو شاء الله ذلك لأن استئصال أمة يشتمل على استئصال دوابها لأن الدواب خلقت لنفع الناس فلا بدع أن يستأصلها الله إذا استأصل ذويها .
والاقتصار على ذكر دابة في هذه الآية إيجاز لأنه إذا كان ظلم الناس مفضيا إلى استئصال الدواب كان العلم بأنه مفض إلى استئصال الظالمين حاصلا بدلالة الاقتضاء