وهذا في عذاب الاستئصال وأما ما يصيب الناس من المصائب والفتن الوارد فيه قوله تعالى ( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ) فذلك منوط بأسباب عادية فاستثناء الصالحين يقتضي دواليب كثيرة من دواليب النظام الفطري العام وذلك لا يريد الله تعطيله لما يستتبع تعطيله من تعطيل مصالح عظيمة والله أعلم بذلك .
A E فقد جاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر قال : سمعت رسول الله A يقول : " إذا أراد الله بقوم عذابا أصاب العذاب من كان فيهم ثم يبعثون على نياتهم " أي يكون للمحسن الذي أصابه العذاب تبعا جزاء على ما أصابه من مصيبة غيره . وإنما الذي لا ينال البريء هو العقاب الأخروي الذي جعله الله جزاء على التكليف وهو معنى قوله تعالى ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) .
وفي هذه الآية إشارة إلى أن الدواب التي على الأرض مخلوقة لأجل انتفاع الإنسان فلذلك لم يكن استعمال الإنسان إياها فيما تصلح له ظلما لها ولا قتلها لأكلها ظلما لها .
والمؤاخذة : الأخذ المقصود منه الجزاء فهو أخذ شديد ولذلك صيغت له صيغة المفاعلة الدالة على الكثرة فدل على أن المؤاخذة المنتفية ب ( لو ) هي الأخذ العاجل المناسب للمجازاة لأن شأن الجزاء في العرف أن لا يتأخر عن وقت حصول الذنب .
ولهذا جاء الاستدراك بقوله تعالى ( ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى ) . فموقع الاستدراك هنا أنه تعقيب لقوله تعالى ( ما ترك عليها من دابة ) .
والأجل : المدة المعينة لفعل ما . والمسمى : المعين لأن التسمية تعيين الشي وتمييزه وتسمية الآجال تحديدها .
وتقدم نظير هذه عند قوله تعالى ( ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) في سورة الأعراف .
( ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون [ 62 ] ) هذا ضغث على إبالة من أحوالهم في إشراكهم تخالف قصة قوله تعالى ( ويجعلون لله البنات ) باعتبار ما يختص بهذه القصة من إضافتهم الأشياء المكروهة عندهم إلى الله مما اقتضته كراهتهم البنات بقوله تعالى ( ولهم ما يشتهون ) فكان ذلك الجعل ينطوي على خصلتين من دين الشرك وهما : نسبة البنوة إلى الله ونسبة أخس أصناف الأبناء في نظرهم إليه فخصت الأولى بالذكر بقوله ( ويجعلون لله البنات ) مع الإيماء إلى كراهتهم البنات كما تقدم . وخصت هذه بذكر الكراهية تصريحا ولذلك كان الإتيان بالموصول والصلة ( ما يكرهون ) هو مقتضى المقام الذي هو تفظيع قولهم وتشنيع استئثارهم . وقد يكون الموصول للعموم فيشير إلى أنهم جعلوا لله أشياء يكرهونها لأنفسهم مثل الشريك في التصرف ؛ وأشياء لا يرضونها لآلهتهم ونسبوها لله كما أشار إليه قوله تعالى ( فما كان لشركاتهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركاتهم ساء ما يحكمون ) .
وفي الكشاف : ( يجعلون لله أرذل أموالهم ولأصنامهم أكرمها ) . فهو مراد عموم الموصول فتكون هذه القصة أعم من قصة قوله تعالى ( ويجعلون لله البنات ) ويكون تخصيصها بالذكر من جهتين : جهة اختلاف الاعتبار وجهة زيادة أنواع هذا الجعل .
وجملة ( وتصف ألسنتهم الكذب ) عطف قصة على قصة أخرى من أحوال كفرهم .
ومعنى ( تصف ) تذكر بشرح وبيان وتفصيل حتى كأنها تذكر أوصاف الشيء . وحقيقة الوصف : ذكر الصفات والحلي . ثم أطلق على القول المبين المفصل . قال في الكشاف في الآية الآتية في أواخر هذه السورة : هذا من فصيح الكلام وبليغه . جعل القول كأنه عين الكذب فإذا نطقت به ألسنتهم فقد صورت الكذب بصورته كقولهم : وجهها يصف الجمال وعينها تصف السحر ) اه .
وقد تقدم في قوله تعالى ( سبحانه وتعالى عما يصفون ) في سورة الأنعام . وسيأتي في آخر هذه السورة ( ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام ) . ومنه قول المعري : .
سرى برق المعرة بعد وهن ... فيات برامة يصف الكلالا أي يشكو الإعياء من قطع مسافة طويلة في زمن قليل وهو من بديع استعاراته