وقد يعترضك هنا : أن الآية التي نزلت في أمر الروح هي من سورة الإسراء فلم تكن مقارنة للآية النازلة في شان الفنية وشأن الرجل الطواف فماذا فرق بين الآيتين وأن سورة الإسراء يروي أنها نزلت قبل سورة الكهف فإنها معدودة سادسة وخمسين في عداد نزول السور وسورة الكهف معدودة ثامنة وستين في النزول . وقد يجاب عن هذا بأن آية الروح قد تكون نزلت على أن تلحق بسورة الإسراء فإنها نزلت في أسلوب سورة الإسراء وعلى مثل فواصلها ولأن الجواب فيها جواب بتفويض العلم إلى الله وهو مقام يقتضي الإيجاز بخلاف الجواب عن أهل الكهف وعن ذي القرنين فإنه يستدعي بسطا وإطنابا ففرقت آية الروح عن القصتين .
على أنه يجوز أن يكون نزول سورة الإسراء مستمرا إلى وقت نزول سورة الكهف فأنزل قرآن موزع عليها وعلى سورة الكهف . وهذا على أحد تأويلين في معنى كون الروح من أمر ربي كما تقدم في سورة الإسراء . والذي عليه جمهور الرواة أن آية ( ويسألونك عن الروح ) مكية إلا ما روي عن ابن مسعود . وقد علمت تأويله في سورة الإسراء .
فاتضح من هذا أن أهم غرض نزلت فيه سورة الكهف هو بيان قصة أصحاب الكهف وقصة ذي القرنين . وقد ذكرت أولاهما في أول السورة وذكرت الأخرى في آخرها .
كرامة قرآنية : لوضع هذه السورة على هذا الترتيب في المصحف مناسبة حسنة ألهم الله إليها أصحاب رسول الله A لما رتبوا المصحف فإنها تقارب نصف المصحف إذ كان في أوائلها موضع قيل هو نصف حروف القرآن وهو " التاء " من قوله تعالى ( لقد جئت شيئا نكرا ) في أثنائها وهو نهاية خمسة عشر جزءا من أجزاء القرآن وذلك نصف أجزائه وهو قوله تعالى ( قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا ) فجعلت هذه السورة في مكان قرابة نصف المصحف .
وهي مفتتحة بالحمد حتى يكون افتتاح النصف الثاني من القرآن ب ( الحمد لله ) كما كان افتتاح النف الأول ب ( الحمد لله ) . وكما كان أول الربع الرابع منه تقريبا ب ( الحمد لله فاطر السماوات والأرض ) .
أغراض السورة .
افتتحت بالتحميد على إنزال الكتاب للتنويه بالقرآن تطاولا من الله تعالى على المشركين وملقنيهم من أهل الكتاب .
وأدمج فيه إنذار المعاندين الذين نسبوا لله ولدا وبشارة للمؤمنين وتسلية رسول الله A عن أقوالهم حين تريث الوحي لما اقتضته سنة الله مع أوليائه من إظهار عتبه على الغفلة عن مراعاة الآداب الكاملة .
وذكر افتتان المشركين بالحياة الدنيا وزينتها وأنها لا تكسب النفوس تزكية .
وانتقل إلى خبر أصحاب الكهف المسؤول عنه .
وحذرهم من الشيطان وعداوته لبني آدم ليكونوا على حذر من كيده .
وقدم لقصة ذي القرنين قصة أهم منها وهي قصة موسى والخضر " عليهما السلام " لأن كلتا القصتين تشابهتا في السفر لغرض شريف . فذو القرنين خرج لبسط سلطانه على الأرض وموسى " عليه السلام " خرج في طلب العلم .
وفي ذكر قصة موسى تعريض بأحبار بني إسرائيل إذ تهمموا بخبر ملك من غير قومهم ولا من أهل دينهم ونسوا خبرا من سيرة نبيهم .
A E وتخلل ذلك مستطردات من إرشاد النبي A وتثبيته . وأن الحق فيما أخبر به وأن أصحابه الملازمين له خير من صناديد المشركين ومن الوعد والوعيد وتمثيل المؤمن والكافر وتمثيل الحياة الدنيا وانقضائها وما يعقبها من البعث والحشر والتذكير بعواقب الأمم الدنيا وانقضائها وما يعقبها من البعث والحشر والتذكير بعواقب الأمم المكذبة للرسل وما ختمت به من إبطال الشرك ووعيد أهله ؛ ووعد المؤمنين بضدهم والتمثيل لسعة علم الله تعالى . وختمت بتقرير أن القرآن وحي من الله تعالى إلى رسوله A فكان في هذا الختام محسن رد العجز على الصدر .
( الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا [ 1 ] قيما ) موقع الافتتاح بهذا التحميد كموقع الخطبة يفتتح بها الكلام في الغرض المهم