وفي اشتقاقه خلاف فقيل مشتق البخاع بالباء الموحدة " بوزن كتاب " وهو عرق مستبطن في القفا فإذا بلغ الذابح البخاع فذلك أعمق الذبح قاله الزمخشري في قوله تعالى ( لعلك باخع نفسك ) في سورة الشعراء . وانفرد الزمخشري بذكر هذا الاشتقاق في الكشاف والفائق والأساس . قال ابن الأثير في النهاية : " بحثت في كتب اللغة والطب فلم أجد البخاع بالموحدة " يعني أن الزمخشري انفرد بهذا الاشتقاق وبإثبات البخاع اسما لهذا العرق . قلت : كفى بالزمخشري حجة فيما أثبته . وقد تبعه عليه المطرزي في المغرب وصاحب القاموس . فالبخع : أصله أن يبلغ الذابح بالذبح إلى القفا ثم أطلق على القتل المشوب بغيظ .
والآثارة : جمع أثر وهو ما يؤثره أي يبقيه الماشي أو الراكب في الرمل أو الأرض من مواطئ أقدامه وأخفاف راحلته . والأثر أيضا ما يبقيه أهل الدار إذا ترحلوا عنها من تافه آلاتهم التي كانوا يعالجون بها شؤونهم كالأوتاد والرماد .
وحرف ( على ) للاستعلاء المجازي فيجوز أن يكون المعنى : لعلك مهلك نفسك لأجل إعراضهم عنك كما يعرض السائر عن المكان الذي كان فيه . فتكون ( على ) للتعليل .
ويجوز أن يكون المعنى تمثيل حال الرسول A في شدة حرصه على اتباع قومه له وفي غمه من إعراضهم . وتمثيل حالهم في النفور والإعراض بحال من فارقه أهله وأحبته فهو يرى آثار ديارهم ويحزن لفراقهم . ويكون حرف ( على ) مستقرا في موضع الحال من ضمير الخطاب ومعنى ( على ) الاستعلاء المجازي وهو شدة الاتصال بالمكان .
وكأن هذا الكلام سبق إلى الرسول A في آخر أوقات رجائه في إيمانهم إلى أنهم غير صائرين إلى الإيمان وتهيئة لنفسه أن تتحمل ما سيلقاه من عنادهم رأفة من ربه ولذلك قال ( إن لم يؤمنوا بهذا الحديث ) بصيغة الفعل المضارع المقتضية الحصول في المستقبل أي إن استمر عدم إيمانهم .
واسم الإشارة وبيانه مراد به القرآن لأنه لحضوره في الأذهان كأنه حاضر في مقام نزول الآية فأشير إليه بذلك الاعتبار . وبين بأنه الحديث .
والحديث : الخبر . وإطلاق اسم الحديث على القرآن باعتبار أنه إخبار من الله لرسوله إذ الحديث هو الكلام الطويل المتضمن أخبارا وقصصا . سمي الحديث حديثا باعتبار اشتماله على الأمر الحديث أي الذي حدث وجد أي الأخبار المستجدة التي لا يعلمها المخاطب فالحديث فعيل بمعنى مفعول . وانظر ما يأتي عند قوله تعالى ( الله نزل أحسن الحديث ) في سورة الزمر .
و ( أسفا ) مفعول له من ( باخع نفسك ) أي قاتلها لأجل شدة الحزن والشرط معترض بين المفعولين ولا جواب له للاستغناء عن الجواب بما قبل الشرط .
( إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا [ 7 ] وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا [ 8 ] ) مناسبة موقع هذه الآية هنا خفية أعوز المفسرين بيانها منهم ساكت عنها ومنهم محاول بيانها بما لا يزيد على السكوت .
والذي يبدوا : أنها تسلية للنبي A على إعراض المشركين بأن الله أمهلهم وأعطاهم الدنيا لعلهم يشكرونه وأنهم بطروا النعمة فأن الله يسلب عنه النعمة فتصير بلادهم قاحلة . وهذا تعريض بأن سيحل بهم قحط السنين السبع التي سأل الله رسول الله ربه أن يجعلها على المشركين كسنين يوسف " عليه السلام " .
ولهذا اتصال بقوله ( لينذر بأسا شديدا من لدنه ) .
وموقع ( إن ) صدر هذه الجملة موقع التعليل للتسلية التي تضمنها قوله تعالى ( فلعلك باخع نفسك على آثارهم ) .
ويحصل من ذلك تذكير بعضهم قدرة الله تعالى وخاصة ما كان منها إيجادا للأشياء وأضدادها من حياة الأرض وموتها المماثل لحياة الناس وموتهم والمماثل للحياة المعنوية والموت المعنوي من إيمان وكفر ونعمة ونقمة كلها عبر لمن يعتبر بالتغير ويأخذ إلى الانتقال من حال إلى حال فلا يثق بقوته وبطشه ليقيس الأشياء بأشباهها نفسه على معيار الفضائل وحسنى العواقب .
A E وأوثر الاستدلال بحال الأرض التي عليها الناس لأنها أقرب إلى حسهم وتعلقهم كما قال تعالى ( أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت ) وقال ( وفي الأرض آيات للموقنين )