وب سایت رسمی مجمع جهانى تقريب مذاهب اسلامى

اهم اخبار تقریب مذاهب اسلامی

مجمع جهانى تقريب مذاهب اسلامى
سایت رسمی مجمع جهانى تقريب مذاهب اسلامى

وقد جاء نظم هذا الكلام على أسلوب الإعجاز في جمع معان كثيرة يصلح اللفظ لها من مختلف الأعراض المقصودة فإن الإخبار عن خلق ما على الأرض زينة يجمع الامتنان على الناس والتذكير ببديع صنع الله إذ وضع هذا العالم على أتقن مثال ملائم لما تحبه النفوس من الزينة والزخرف . والامتنان بمثل هذا كثير مثل قوله ( ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون ) وقال ( زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسمومة والأنعام والحرث ) .
ولا تكون الأشياء زينة إلا وهي مبثوثة فيها الحياة التي بها نماؤها وازدهارها . وهذه الزينة مستمرة على وجه الأرض منذ رآها الإنسان واستمرارها باستمرار أنواعها وإن كان الزوال يعرض لأشخاصها فتخلفها أشخاص أخرى من نوعها . فيتضمن هذا امتنانا ببث الحياة في الموجودات الأرضية .
ومن لوازم هذه الزينة أنها توقظ العقول إلى النظر في وجود منشئها وتسبر غور النفوس في مقدار الشكر لخالقها وجاعلها لهم فمن موف بحق الشكر ومقصر فيه وجاحد كافر بنعمة هذا المنعم ناسب إياها إلى غير موجدها . ومن لوازمها أيضا أنها تثير الشهوات لاقتطافها وتناولها فتستشار من ذلك مختلف الكيفيات في تناولها وتعارض الشهوات في الاستيثار بها مما يفضي إلى تغالب الناس بعضهم بعضا واعتداء بعضهم على بعض . وذلك الذي أوجد حاجتهم إلى الشرائع لتضبط لهم أحوال معاملاتهم ولذلك علل جعل ما على الأرض زينة بقوله ( لنبلوهم أيهم أحسن عملا ) أي أفوت في حسن من عمل القلب الراجع إلى الإيمان والكفر وعمل الجسد المتبدي في الامتثال للحق والحيدة عنه .
فمجموع الناس متفاوتون في حسن العمل . ومن درجات التفاوت في هذا الحسن تعلم بطريق الفحوى درجة انعدام الحسن من أصله وهي حالة الكفر وسوء العمل كما جاء في حديث " مثل المنافق الذي يقرأ القرآن ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن " .
والبلو : الاختبار والتجربة . وقد تقدم عند قوله تعالى ( هنالك تبلوا كل نفس ما أسلفت ) في سورة يونس . وهو هنا مستعار لتعلق علم الله التنجيزي بالمعلوم عند حصوله بقرينة الأدلة العقلية والسمعية الدالة على إحاطة علم الله بكل شيء قبل وقوعه فهو مستغن عن الاختبار والتجربة . وفائدة هذه الاستعارة الانتقال منها إلى الكناية عن ظهور ذلك لكل الناس حتى لا يلتبس عليهم الصالح بضده . وهو كقول قيس بن الخطيم : .
واقبلت والخطى يخطر بيننا ... لأعلم من جبانها من شجاعها وقوله ( وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا ) تكميل للعبرة وتحقيق لفناء العالم . فقوله ( جاعلون ) اسم فاعل مراد به االمستقبل أي سنجعل ما على الأرض كله معدوما فلا يكون على الأرض إلا تراب جاف أجرد لا يصلح للحياة فوقه وذلك هو فناء العالم قال تعالى ( يوم تبدل الأرض غير الأرض ) .
والصعيد : التراب . والجرز : القاحل الأجود . وسيأتي بيان معنى الصعيد عند قوله ( فتصبح صعيدا زلقا ) في هذه السورة .
( أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا [ 9 ] ) ( أم ) للإضراب الانتقالي من غرض إلى غرض . ولما كان هذا من المقاصد التي أنزلت السورة لبيانها لم يكن هذا الانتقال اقتضابا بل هو كالانتقال من الديباجة والمقدمة إلى المقصود .
على أن مناسبة الانتقال إليه تتصل بقوله تعالى ( فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا ) إذ كان مما صرف المشركين عن الإيمان إحالتهم الإحياء بعد الموت فكان ذكر أهل الكهف وبعثهم بعد خمودهم سنين طويلة مثالا لإمكان البعث .
و ( أم ) هذه هي ( أم ) المنقطعة بمعنى ( بل ) وهي ملازمة لتقدير الاستفهام معها . يقدر بعدها حرف استفهام وقد يكون ظاهرا بعدها كقول أفنون التغلبي : .
أني جزوا عامرا سوءا بضعته ... أم كيف يجزونني السوأى عن الحسن والاستفهام المقدر بعد ( أم ) تعجيبي مثل الذي في البيت .
A E