وصيغتا ( الزانية والزاني ) صيغة اسم فاعل وهو هنا مستعمل في أصل معناه وهو اتصاف صاحبه بمعنى مادته فلذلك يعتبر بمنزلة الفعل المضارع في الدلالة على الاتصاف بالحدث في زمن الحال فكأنه قيل : التي تزني والذي يزني فاجلدوا كل واحد منهما الخ . ويؤيد ذلك الأمر بجلد كل واحد منهما فإن الجلد يترتب على التلبس بسببه .
ثم يجوز أن تكون قصة مرثد بن أبي مرثد النازل فيها قوله تعالى ( الزاني لا ينكح إلا الزانية أو مشركة ) الخ هي سبب نزول أول هذه السورة . فتكون آية ( الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة ) هي المقصد الأول من هذه السورة ويكون قوله ( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ) تمهيدا ومقدمة لقوله ( الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة ) فإن تشنيع حال البغايا جدير بأن يقدم قوله ما هو أجدر بالتشريع وهو عقوبة فاعل الزنى . ذلك أن مرثد ما بعثه على الرغبة في تزوج عناق إلا ما عرضته عليه من أن يزني معها .
وقدم ذكر ( الزانية ) على ( الزاني ) للاهتمام بالحكم لأن المرأة هي الباعث على زنى الرجل وبمساعفتها الرجل يحصل الزنى ولو منعت المرأة نفسها ما وجد الرجل إلى الزنى تمكينا فتقديم المرأة في الذكر لأنه أشد في تحذيرها . وقوله ( كل واحد منهما ) للدلالة على أنه ليس أحدهما بأولى بالعقوبة من الآخر .
وتعريف ( الزانية والزاني ) تعريف الجنس وهو يفيد الاستغراق غالبا ومقام التشريع يقتضيه وشأن ( أل ) الجنسية إذا دخلت على اسم الفاعل أن تبعد الوصف عن مشابهة الفعل فلذلك لا يكون اسم الفاعل معها حقيقة في الحال ولا في غيره وإنما هو تحقق الوصف في صاحبه . وبهذا العموم شمل الإماء والعبيد ف ( الزانية والزاني ) من اتصفت بالزنى واتصف بالزنى .
والزنى : اسم مصدر زنى وهو الجماع بين الرجل والمرأة اللذين لا يحل أحدهما للآخر يقال : زنى الرجل وزنت المرأة ويقال : زاني بصيغة المفاعلة لأن الفعل حاصل من فاعلين ولذلك جاء مصدره الزناء بالمد أيضا بوزن الفعال ويخفف همزه فيصير اسما مقصورا . وأكثر ما كان في الجاهلية أن يكون بداعي المحبة والموافقة بين الرجل والمرأة دون عوض فإن كان بعوض فهو البغاء . يكون في الحرائر ويغلب في الإماء وكانوا يجهرون به فكانت البغايا يجعلن رايات على بيوتهن مثل راية البيطار ليعرفن بذلك . وكل ذلك يشمله اسم الزنى في اصطلاح القرآن وفي الحكم الشرعي . وتقدم ذكر الزنى في قوله تعالى ( ولا تقربوا الزنى ) في سورة الإسراء .
والجلد : الضرب بسير من جلد . مشتق من الجلد بكسر الجيم لأنه ضرب الجلد . أي البشرة كما اشتق الجبه والبطن والرأس في قولهم جبهه إذا ضرب جبهته وبطنه إذا ضرب بطنه ورأسه إذا ضرب رأسه . قال في الكشاف : وفي لفظ الجلد إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يتجاوز الألم إلى اللحم اه . أي لا يكون الضرب يطير الجلد حتى يظهر اللحم فاختيار هذا اللفظ دون الضرب مقصود به الإشارة إلى هذا المعنى على طريقة الإدماج .
واتفق فقهاء الأمصار على : أن ضرب الجلد بالسوط . أي بسير من جلد . والسوط : هو ما يضرب به الراكب الفرس وهو جلد مضفور وأن يكون السوط متوسط اللين وأن يكون رفع يد الضارب متوسطا . ومحل الجلد هو الظهر عن مالك . وقال الشافعي : تضرب سائر الأعضاء ما عدا الوجه والفرج . وأجمعوا على ترك الضرب على المقاتل منها الرأس في الحد . روى الطبري أن عبد الله بن عمر حد جارية أحدثت فقال للجالد : أجلد رجليها وأسفلها فقال له أبنه عبد الله : فأين قول الله تعالى ( ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ) فقال فاقتها . وقوله ( كل واحد منهما ) تأكيد للعموم المستفاد من التعريف فلم يكتف بأن يقال : فاجلدوهما كما قال ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ) . وتذكير كل واحد تغليب للمذكر مثل ( وكانت من القانتين ) .
والخطاب بالأمر بالجلد موجه إلى المسلمين فيقوم به من يتولى أمور المسلمين من الأمراء والقضاة ولا يتولاه الأولياء وقال مالك والشافعي وأحمد : يقيم السيد على عبده وأمته حد الزنى وقال أبو حنيفة لا يقيمه إلا الإمام . وقال مالك : لا يقيم السيد حد الزنى على أمته إذا كانت ذات زوج حر أو عبد ولا يقيم الحد عليها إلا ولي الأمر .
A E