والحصر في قوله ( وأولئك هم الفاسقون ) للمبالغة في شناعة فسقهم حتى كأن ماعداه من الفسوق لا يعد فسقا .
والاستثناء في قوله ( إلا الذين تابوا ) حقه أن يعود إلى جميع ما تقدم قبله كما هو شأن الاستثناء عند الجمهور إلا أنه هنا راجع إلى خصوص عدم قبول شهادتهم وإثبات فسقهم وغير راجع إلى إقامة الحد بقرينة قوله ( من بعد ذلك ) أي بعد أن تحققت الأحكام الثلاثة فالحد قد فات على أنه قد علم من استقراء الشريعة أن الحدود الشرعية لا تسقطها توبة مقترف موجبها . وقال أبو حنيفة وجماعة : الاستثناء يرجع إلى الجملة الأخيرة جريا على أصله في عود الاستثناء الوارد بعد جمل متعاطفة .
والتوبة : الإقلاع والندم وظهور عزمه على أن لا يعود لمثل ذلك . وقد تقدم ذكر التوبة في ذكر النساء عند قوله تعالى ( إنما التوبة على الله ) الآيات . وليس من شرط التوبة ان يكذب نفسه فيما قذف به عند الجمهور وهو قول مالك لأنه قد يكون صادقا ولكنه عجز عن إثبات ذلك بأربعة شهداء على الصفة المعلومة فتوبته أن يصلح ويحسن حاله ويثبت في أمره . وقال قوم : لا تعتبر توبته حتى يكذب نفسه . وهذا قول عمر بن الخطاب والشعبي ولم يقبل عمر شهادة أبي بكرة لأنه أبى أن يكذب نفسه فيما رمى به المغيرة ابن شعبة . وقبل من بعد شهادة شبل بن معبد ونافع بن كلدة لأنهما أكذبا أنفسهما في تلك القضية وكان عمر قد حد ثلاثتهم حد القذف .
ومعنى ( أصلحوا ) فعلوا الصلاح أي صاروا صالحين . فمفعول الفعل محذوف دل عليه السياق أي اصلحوا أنفسهم باجتناب ما نهوا عنه وقد تقدم عند قوله تعالى ( قالوا إنما نحن مصلحون ) وقوله ( إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا ) في سورة البقرة .
وفرع ( فإن الله غفور رحيم ) على ما يقتضيه الاستثناء من معنى : فاقبلوا شهادتهم واغفروا لهم ما سلف فأن الله غفور رحيم أي فإن الله أمر بالمغفرة لهم لأنه غفور رحيم كما قال في آية البقرة ( إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم ) .
وإنما صرح في آية البقرة بما قدر نظيره هنا لأن المقام هنالك مقام إطناب لشدة الاهتمام بأمرهم إذ ثابوا إلى الإيمان والإصلاح وبيان ما أنزل إليهم من الهدى بعد ما كتموه وكتمه سلفهم .
وظاهر الآية يقتضي أن حد القذف حق لله تعالى وهو قول أبي حنيفة . وقال مالك والشافعي : حق المقذوف . وترتب على الخلاف سقوطه بالعفو من المقذوف .
وهذه الآية أصل في حد الفرية والقذف الذي كانوا اول ظهوره في رمي المحصنات بالزنى . فكل رمي بما فيه معرة موجب للحد بالإجماع المستند للقياس .
( والذين يرمون أزوجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين [ 6 ] والخامسة أن لعنت الله عليه إن كان من الكاذبين [ 7 ] ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادت بالله إنه لمن الكاذبين [ 8 ] والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين [ 9 ] ) هذا تخصيص للعمومين اللذين في قوله ( والذين يرمون المحصنات ) فإن من المحصنات من هن أزواج لمن يرميهن فخص هؤلاء الذين يرمون أزواجهم من حكم قوله ( والذين يرمون المحصنات ) الخ إذ عذر الأزواج خاصة في إقدامهم على القول في أزواجهم بالزنى إذا لم يستطيعوا إثباته بأربعة شهداء .
ووجه عذرهم في ذلك ما في نفوس الناس من سجية الغيرة على أزواجهم وعدم احتمال رؤية الزنى بهن فدفع عنهم حد القذف بما شرع لهم من الملاعنة .
وفي هذا الحكم قبول لقول الزوج في امرأته في الجملة إذا كان متثبتا حتى ان المرأة بعد أيمان زوجها تكلف بدفع ذلك بأيمانها وإلا قبل قوله فيها مع أيمانه فكان بمنزلة شهادة أربعة فكان موجبا حدها إذا لم تدفع ذلك بأيمانها .
A E