والعدول عن صيغة الماضي إلى صيغة المضارع في قوله ( يوحي ) للدلالة على أن إيحاءه إليه متجدد لا ينقطع في مدة حياته الشريفة لييأس المشركون من إقلاعه بخلاف قوله ( وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ) وقوله ( وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا ) إذ لا غرض في إفادة معنى التجدد هناك . وأما مراعاة التجدد هنا فلأن المقصود من الآية هو ما أوحي به إلى محمد A من القرآن وأن قوله ( إلى الذين من قبلك ) إدماج .
A E ولك أن تعتبر صيغة المضارع منظورا فيها إلى متعلقي الإيحاء وهو ( إليك ) ( وإلى الذين من قبلك ) فتجعل المضارع لاستحضار الصورة من الإيحاء إلى الرسل حيث استبعد المشركون وقوعه فجعل كأنه مشاهد على طريقة قوله تعالى ( الله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا ) وقوله ( ويصنع الفلك ) .
وقرأ الجمهور ( يوحي ) بصيغة المضارع المبني للفاعل واسم الجلالة فاعل . وقرأه ابن كثير ( يوحى ) بالبناء للمفعول على أن ( إليك ) نائب فاعل فيكون اسم الجلالة مرفوعا على الابتداء بجملة مستأنفة استئنافا بيانيا كأنه لما قال : يوحى إليك قيل : ومن يوحيه فقيل : الله العزيز الحكيم أي يوحيه الله على طريقة قول ضرار بن نهشل أو الحارث بن نهيك .
ليبك يزيد ضارع لخصومة ... ومختبط مما تطيح الطوائح إذ كانت رواية البيت بالبناء للنائب .
( له ما في السماوات وما في الأرض وهو العلي العظيم [ 4 ] ) جملة ( له ما في السماوات وما في الأرض ) مقررة لوصفه ( العزيز الحكيم ) لأن من كان ما في السماوات وما في الأرض ملكا له تتحقق له العزة لقوة ملكوته وتتحقق له الحكمة لأن الحكمة تقتضي خلق ما في السماوات والأرض وإتقان ذلك النظام الذي تسير به المخلوقات .
ولكون هذه الجملة مقررة معنى التي قبلها كانت بمنزلة التأكيد فلم تعطف عليها .
وجملة ( وهو العلي العظيم ) عطف عليها مقررة لما قررته الجملة قبلها فإن من اتصف بالعلاء والعظمة لو لم يكن عزيزا لتخلف علاؤه وعظمته ولا يكون إلا حكيما لأن علاءه يقتضي سموه عن سفاسف الصفات والأفعال ولو لم يكن عظيما لتعلقت إرادته بسفاسف الأمور ولتنازل إلى عبث الفعال .
والعلو هنا علو مجازي وهو السمو في الكمال بحيث كان أكمل من كل موجود كامل . والعظمة مجازية وهي جلالة الصفات والأفعال .
وأفادت صيغة الجملة معنى القصر أي لا علي ولا عظيم غيره لأن من عداه لا يخلو عن افتقار إليه فلا علو له ولا عظمة . وهذا قصر قلب أي دون آلهتكم فلا علو لها كما تزعمون . قال أبو سفيان " أعل هبل " .
وتقدم معنى هاتين الجملتين في خلال آية الكرسي من سورة البقرة .
( يكاد السماوات يتفطرن من فوقهن ) جملة مستأنفة مقررة لمعنى جملة ( وهو العلي العظيم ) ولذلك لم تعطف عليها أي يكاد السماوات على عظمتهن يتشققن من شدة تسخرهن فيما يسخرهن الله له من عمل لا يخالف ما قدره الله لهن وأيضا قد قيل : إن المعنى : يكاد السماوات يتفطرن من كثرة ما فيهن من الملائكة والكواكب وتصاريف الأقدار فيكون في معنى قول النبي A " أطت السماء وبحقها أن تئط . والذي نفس محمد بيده ما فيها موضع شبر إلا فيه جبهة ملك ساجد يسبح الله بحمده " ويرجحه تعقيبه بقوله تعالى ( والملائكة يسبحون بحمد ربهم ) كما سيأتي .
وقرأ نافع وحده والكسائي ( يكاد ) بتحتية في أوله . وقرأه الباقون بفوقية وهما وجهان جائزان في الفعل المسند إلى جمع غير المذكر السالم وخاصة مع عدم التأنيث الحقيقي . وتقدم في سورة مريم قوله ( يكاد السماوات يتفطرن منه )