والاستغفار لمن في الأرض : طلب المغفرة لهم بحصول أسبابها لأن الملائكة يعلمون مراتب المغفرة وأسبابها وهم لكونهم من عالم الخير والهدى يحرصون على حصول الخير للمخلوقات وعلى اهتدائهم إلى الإيمان بالله والطاعات ويناجون نفوس الناس بدواعي الخير وهي الخواطر الملكية . فالمراد ب ( من في الأرض ) من عليها يستحقون استغفار الملائكة كما قال تعالى ( الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ) ثم قال ( وقهم السيئات ) في سورة المؤمن . وقد أثبت القرآن أن الملائكة يلعنون من تحق عليه اللعنة بقوله تعالى ( أولئك عليهم لعنة الله والملائكة ) في سورة البقرة . فعموم من في الأرض هنا مخصوص بما دلت عليه آية سورة المؤمن .
وجملة ( ألا إن الله هو الغفور الرحيم ) تذييل لجملة ( والملائكة يسبحون بحمد ربهم ) إلى آخرها لإبطال وهم المشركين أن شركائهم يشفعون لهم ولذلك جيء في هذه الجملة بصيغة القصر بضمير الفصل أي أن غير الله لا يغفر لأحد . وصدرت بأداة التنبيه للاهتمام بمفادها .
وقد أشارت الآية إلى مراتب الموجودات وهي : والمقصود رفع التبعية عن النبي A من عدم استجابتهم للتوحيد أي لا تخش أن نسألك على عدم اهتدائهم إذ ما عليك إلا البلاغ وتقدم في قوله ( وما أنت عليهم بوكيل ) في سورة الأنعام .
A E وإذ قد كان الحفيظ الوكيل بمعنى كان إثبات كون الله حفيظا عليهم ونفي كون الرسول A وكيلا عليهم مفيدا قصر الكون حفيظا عليهم على الله تعالى دون الرسول A بطريق غير أحد طرق القصر المعروفة فإن هذا من صريح القصر ومنطوقه لا من مفهومه وهو الأصل في القصر وإن كان قليلا ومنه قول السمؤال : .
تسيل على حد الضبات نفوسنا ... وليست على غير الظبات تسيل وأما طرق القصر المعروفة في علم المعاني فهي من أسلوب الإيجاز والقصر قصر قلب كما هو صريح طرفه الثاني في قوله ( وما أنت عليهم بوكيل ) نزل الرسول A منزلة من يحسب أنه وكيل على إيمانهم وحصل من هذا التنزيل تعريض بهم بأنهم لا يضرون الرسول A إذا لم يصدقوه .
( وكذلك أوحينا إليك قرءانا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه فريق في الجنة وفريق في السعير [ 7 ] ) عطف على جملة ( كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله ) إلخ باعتبار المغايرة بين المعطوفة والمعطوف عليها بما في المعطوفة من كون الموحى به قرآنا عربيا وما في المعطوف عليها من كونه من نوع ما أوحي به إلى الذين من قبله . والقول في ( وكذلك أوحينا ) كالقول في ( كذلك يوحي إليك ) .
وإنما أعيد ( وكذلك أوحينا ) ليبنى عليه ( قرآنا عربيا ) لما حجز بينهما من الفصل . وأصل النظم : كذلك يوحي إليك الله العزيز الحكيم قرآنا عربيا مع ما حصل بتلك الإعادة من التأكيد لتقرير ذلك المعنى أفضل تقرير .
والعدول عن ضمير الغائب إلى ضمير العظمة التفات .
وفي هذا إشارة إلى أنه لا فرق بين ما أوحي إليك وما أوحي إلى من قبلك إلا اختلاف اللغات كما قال تعالى ( وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ) .
والقرآن مصدر : قرأ مثل : غفران وسبحان وأطلق هنا على المقروء مبالغة في الاتصاف بالمقروئية لكثرة ما يقرأه القارئون وذلك لحسنه وفائدته فقد تضمن هذا الاسم معنى الكمال بين المقروءات . و ( عربيا ) نسبة إلى العربية أي لغة العرب لأن كونه قرآنا يدل على أنه كلام فوصفه بكونه ( عربيا ) يفيد أنه كلام عربي .
وقوله ( لتنذر أم القرى ومن حولها ) تعليل ل ( أوحينا إليك قرءانا عربيا ) لأن كونه عربيا يليق بحال المنذرين به وهم أهل مكة ومن حولها فأولئك هم المخاطبون بالدين ابتداء لما اقتضته الحكمة الإلهية من اختيار الأمة العربية لتكون أول من يتلقى الإسلام وينشره بين الأمم ولو روعي فيه جميع الأمم المخاطبين بدعوة الإسلام لاقتضى أن ينزل بلغات لا تحصى فلا جرم اختار الله له أفضل اللغات واختار إنزاله على أفضل البشر