( وأم القرى ) مكة وكنيت : أم القرى لأنها أقدم المدن العربية فدعاها العرب : أم القرى لأن الأم تطلق على أصل الشيء مثل : أم الرأس وعلى مرجعه مثل قولهم للراية : أم الحرب وقولهم : أم الطريق للطريق العظيم الذي حوله طرق صغار .
ثم إن إنذار أم القرى يقتضي إنذار بقية القرى بالأحرى قال تعالى ( وما كان ربك ليهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا ) وتقدم في قوله تعالى ( ولتنذر أم القرى ) في سورة الأنعام .
والمراد : لتنذر أهل أم القرى فأطلق اسم البلد على سكانه كقوله تعالى ( واسأل القرية ) .
وأهل مكة هم قريش وأما من حولها فهم النازلون حولها من القبائل مثل خزاعة وكنانة ومن الذين حولها قريش الظواهر وهم الساكنون خارج مكة في جبالها .
والاقتصار على إنذار أم القرى ومن حولها لا يقتضي تخصيص إنذار الرسول A بأهل مكة ومن حولها ولا تخصيص الرسول A بالإنذار دون التبشير للمؤمنين لأن تعليل الفعل بعلة باعثه لا يقتضي أن الفعل المعلل مخصص بتلك العلة ولا بمتعلقاتها إذ قد يكون للفعل الواحد علل باعثة فإن الرسول A بعث للناس كافة كما قال تعالى ( وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ) . والاقتصار هنا على إنذار أهل مكة ومن حولها لأنهم المقصود بالرد عليهم لإنكارهم رسالة محمد A .
A E وانتصب ( أم القرى ) على المفعول به لفعل ( تنذر ) بتنزيل الفعل منزلة المعدى إلى مفعول واحد إذ لم يذكر معه المنذر منه وهو الذي يكون مفعولا ثانيا لفعل الإنذار . لأن " أنذر " يتعدى إلى مفعولين كقوله تعالى ( فقل أنذرتكم صاعقة ) وفي حديث الدجال " ما من نبي إلا أنذر قومه " . فالمعنى : لتنذر أهل القرى ومن حولها ما ينذرونه من العذاب في الدنيا والآخرة .
وقوله ( وتنذر يوم الجمع ) أعيد فعل ( تنذر ) لزيادة تهويل أمر يوم الجمع لأن تخصيصه بالذكر بعد عموم الإنذار يقتضي تهويله ولأن تعدية فعل ( وتنذر ) إلى ( يوم الجمع ) تعدية مخالفة لإنذار أم القرى لأن ( يوم الجمع ) مفعول ثان لفعل ( وتنذر ) أي وتنذر الناس يوم الجمع فمفعول ( لتنذر ) الثاني هو المنذر به ومفعول ( لتنذر ) الأول هو المنذر .
وانتصب ( يوم الجمع ) على أنه مفعول ثان لفعل ( تنذر ) وحذف مفعوله الأول لدلالة ما تقدم عليه أي وتنذرهم " أي أهل أم القرى " يوم الجمع بالخصوص كقوله ( وأنذرهم يوم الآزفة ) .
ويوم الجمع : يوم القيامة سمي ( يوم الجمع ) لأن الخلائق تجمع فيه للحساب قال تعالى ( يوم يجمعكم ليوم الجمع ) .
والجمع مصدر ويجوز أن يكون اسما للمجتمعين كقوله تعالى ( هذا فوج مقتحم معكم ) أي يوم جماعة الناس كلهم .
وجملة ( فريق من الجنة ) مستأنفة استئنافا بيانيا وعطفت عليها جملة ( وفريق في السعير ) فكان الجملتان جوابا لسؤال سائل عن شأن هذا الجمع إن كان بمعنى المصدر . فقيل : فريق في الجنة وفريق في السعير أي فريق من المجموعين بهذا الجمع في الجنة وفريق في السعير أو لسؤال سائل عن حال هذا الجمع إن كان الجمع بمعنى المجموعين . والتقدير : فريق منهم في الجنة وفريق منهم في السعير . وتقدم السعير عند قوله تعالى ( كلما خبت زدناهم سعيرا ) في سورة الإسراء . وسوغ الابتداء ب ( فريق ) وهو نكرة لوقوعها في معرض التفصيل كقول امرئ القيس : .
فأقبلت زحفا على الركبتين ... فثوب لبست وثوب أجر وجملة ( لا ريب فيه ) معترضة بين البيان والمبين . ومعنى ( لا ريب فيه ) أن دلائله تنفي الشك في أنه سيقع فنزل ريب المرتابين فيه منزلة العدم لأن موجبات اليقين بوقوعه بينة كقوله تعالى ( ذلك الكتاب لا ريب فيه ) في سورة البقرة .
وظرفية الريب المنفي في ضمير اليوم في قوله ( لا ريب فيه ) من باب إيقاع الفعل ونحوه على اسم الذات والمراد : إيقاعه على بعض أحوالها التي يدل عليها المقام مثل ( حرمت عليكم الميتة ) أي أكلها أي لا ريب في وقوعه . وجملة ( فريق في الجنة ) إلخ معترضة و ( فريق ) خبر مبتدأ محذوف على طريقة الحذف المتابع فيه الاستعمال كما سماه السكاكي أي هم فريق في الجنة إلخ