( ولو شاء الله لجعلهم أمة وحدة ولكن يدخل من يشاء في رحمته والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير [ 8 ] ) عطف على جملة ( فريق في الجنة وفريق في السعير ) . والغرض من هذا العطف إفادة أن كونهم فريقين أمر شاء الله تقديره أي أوجد أسبابه بحكمته ولو شاء لقدر أسباب اتحادهم على عقيدة واحدة من الهدى فكانوا سواء في المصير والمراد : لكانوا جميعا في الجنة .
وهذا مسوق لتسلية الرسول A والمؤمنين على تمنيهم أن يكون الناس كلهم مهتدين ويكون جميعهم في الجنة وبذلك تعلم أن ليس المراد : لو شاء الله لجعلهم أمة واحدة في الأمرين الهدى والضلال لأن هذا الشق الثاني لا يتعلق الغرض ببيانه هنا وإن كان في نفس الأمر لو شاء الله لكان . فتأويل هذه الآية بما جاء في قوله تعالى ( ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملان جهنم من الجنة والناس أجمعين ) وقوله ( ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ) .
وقد دل على ذلك الاستدراك الذي في قوله ( ولكن يدخل من يشاء في رحمته ) أي ولكن شاء مشيئة أخرى جرت على وفق حكمته وهي أن خلقهم قابلين للهدى والضلال بتصاريف عقولهم وأميالهم ومكنهم من كسب أفعالهم وأوضح لهم طريق الخير وطريق الشر بالتكليف فكان منهم المهتدون وهم الذين شاء الله إدخالهم في رحمته ومنهم الظالمون الذين ما لهم من ولي ولا نصير .
A E فقوله ( يدخل من يشاء في رحمته ) أحد دليلين على المعنى المستدرك إذ التقدير : ولكنه جعلهم فريقين فريقا في الجنة وفريقا في السعير ليدخل من يشاء منهم في رحمته وهي الجنة . وأفهم ذلك أنه يدخل منهم الفريق الآخر في عقابه فدل عليه أيضا بقوله ( والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير ) لأن نفي النصير كناية عن كونهم في بؤس وضر ومغلوبية بحيث يحتاجون إلى نصير لو كان لهم نصير فيدخل في الظالمين مشركو أهل مكة دخولا أوليا لأنهم سبب ورود هذا العموم .
وأصل النظم : ويدخل من يشاء في غضبه فعدل عنه إلى ما في الآية للدلالة على أن سبب إدخالهم في غضبه هو ظلمهم أي شركهم ( إن الشرك لظلم عظيم ) مع إفادة أنهم لا يجدون وليا يدفع عنهم غضبه ولا نصيرا يثأر لهم . وضمير ( جعلهم ) عائد إلى فريق الجنة وفريق السعير باعتبار أفراد كل فريق .
( أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي وهو يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير [ 9 ] ) ( أم ) للإضراب الانتقالي كما يقال : دع الاهتمام بشأنهم وإنذارهم ولنعد إلى فظاعة حالهم في اتخاذهم من دون الله أولياء .
وتقدر بعد ( أم ) همزة استفهام إنكاري . فالمعنى : بل أأتخذوا من دونه أولياء أي أتوا منكرا لما اتخذوا من دونه أولياء .
فضمير ( اتخذوا ) عائد إلى ( الذين اتخذوا من دونه أولياء ) في الجملة السابقة .
والفاء في قوله ( فالله هو الولي ) فاء جواب لشرط مقدر دل عليه مقام إنكار اتخاذهم أولياء من دون الله لأن إنكار ذلك يقتضي أن أولياءهم ليست جديرة بالولاية وأنهم ضلوا في ولايتهم إياها فنشأ تقدير شرط معناه : إن أرادوا وليا بحق فالله هو الولي .
قال السكاكي في المفتاح " وتقدير الشرط لقرائن الأحوال غير ممتنع " قال تعالى ( فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم ) على تقدير إن افتخرتم بقتلهم فلم تقتلوهم وقال ( فالله هو الولي ) على تقدير : " إن أرادوا وليا بحق فالله هو الولي بالحق لا ولي سواه " .
والمراد بالولاية في قوله ( أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي ) ولاية المعبودية فأفاد تعريف المسند في قوله ( فالله هو الولي ) قصر جنس الولي بهذا الوصف على الله وإذ قد عبدوا غير الله تعين أن المراد قصر الولاية الحق عليه تعالى .
وأفاد ضمير الفصل في قوله ( فالله هو الولي ) تأكيد القصر وتحقيقه وأنه لا مبالغة فيه تذكيرا بأن الولاية الحق في هذا الشأن مختصة بالله تعالى .
وهذا كله مسوق إلى النبي A والمؤمنين تسلية وتثبيتا وتعريضا بالمشركين فإنهم لا يخلون من أن يسمعوه