وخص إبراهيم المؤمنين بطلب الرزق لهم حرصا على شيوع الإيمان لساكنيه لأنهم إذا علموا أن دعوة إبراهيم خصت المؤمنين تجنبوا ما يحيد بهم عن الإيمان فجعل تيسير الرزق لهم على شرط إيمانهم باعثا لهم على الإيمان أو أراد التأدب مع الله تعالى فسأله سؤالا أقرب إلى الإجابة ولعله استشعر من رد الله عليه عموم دعائه السابق إذ قال ( ومن ذريتي ) فقال ( لا ينال عهدي الظالمين ) أن غير المؤمنين ليسوا أهلا لإجراء رزق الله عليهم وقد أعقب الله دعوته بقوله ( ومن كفر فأمتعه قليلا ) .
ومقصد إبراهيم من دعوته هذه أن تتوفر لأهل مكة أسباب الإقامة فيها فلا تضطرهم الحاجة إلى سكنى بلد آخر لأنه رجا أن يكونوا دعاة لما بنيت الكعبة لأجله من إقامة التوحيد وخصال الحنيفية وهي خصال الكمال وهذا أول مظاهر تكوين المدينة الفاضلة التي دعا أفلاطون لإيجادها بعد بضعة عشر فرنا .
وجملة ( قال ومن كفر فأمتعه ) جاءت على سنن حكاية الأقوال في المحاورات والأجوبة مفصولة وضمير قال عائد إلى الله فمن جوز أن يكون الضمير في قال لإبراهيم وأن إعادة القول لطول المقول الأول فقد غفل عن المعنى وعن الاستعمال وعن الضمير في قوله ( فأمتعه ) .
وقوله ( ومن كفر ) الأظهر أنه عطف على جملة ( وأرزق أهله ) باعتبار القيد وهو قوله ( من آمن ) فيكون قوله ( ومن كفر ) مبتدأ وضمن الرسول معنى الشرط فلذلك قرن الخبر بالفاء على طريقة شائعة في مثله لما قدمناه في قوله ( ومن ذريتي ) أن عطف التلقين في الإنشاء إذا كان صادرا من الذي خوطب بالإنشاء كان دليلا على حصول الغرض من الإنشاء والزيادة عليه ولذلك آل المعنى هنا إلى أن الله تعالى أظهر فضله على إبراهيم بأنه يرزق ذريته مؤمنهم وكافرهم أو أظهر سعة رحمته برزق سكان مكة كلهم مؤمنهم وكافرهم .
ومعنى أمتعه أجعل الرزق له متاعا وقليلا صفة لمصدر محذوف بعد قوله ( فأمتعه ) والمتاع القليل متاع الدنيا كما دلت عليه المقابلة بقوله ( ثم أضطره إلى عذاب النار ) .
وفي هذه الآية دليل لقول الباقلاني والماتريدية والمعتزلة بأن الكفار منعم عليهم بنعم الدنيا وقال الأشعري لم ينعم على الكافر لا في الدنيا ولا في الآخرة وإنما أعطاهم الله في الدنيا ملاذ علىوجه الاستدراج والمسألة معدودة في مسائل الخلاف بين الأشعري والماتريدي ويشبه أن يكون الخلاف بينهما لفظيا وإن عده السبكي في عداد الخلاف المعنوي .
وقوله ( ثم أضطره إلى عذاب النار ) احتراس من أن يغتر الكافر بأن تخويله النعم في الدنيا يؤذن برضى الله فلذلك ذكر العذاب هنا .
وثم للتراخي الرتبي كشأنها في عطف الجمل من غير التفات إلى كون مصيره إلى العذاب متأخرا عن تمتيعه بالمتاع القليل .
والاضطرار في الأصل الالتجاء وهو بوزن افتعل مطاوع أضره إذا صيره ذا ضرورة أي حاجة فالأصل أن يكون اضطر قاصرا لأن أصل المطاوعة عدم التعدي ولكن الاستعمال جاء على تعديته إلى مفعول وهو استعمال فصيح غير جار على قياس يقال أضطره إلى كذا أي ألجأه إليه ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة لقمان ( نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ ) .
وقوله ( وبئس المصير ) تذييل والواو للاعتراض أو للحال والخبر محذوف هو المخصوص بالذم وتقديره هي .
( وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم [ 127 ] ) هذه منقبة ثالثة لإبراهيم عليه السلام وتذكير بشرف الكعبة ووسيلة ثالثة إلى التعريض بالمشركين بعد قوله ( ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة ) الخ وتمهيد للرد على اليهود إنكارهم استقبال الكعبة الذي يجيء عند قوله تعالى ( سيقول السفهاء ) ولأجل استقلالها بهاته المقاصد الثلاثة التي تضمنتها الآيات قبلها عطفت على سوابقها مع الاقتران بإذ تنبيها على الاستقلال .
وخولف الأسلوب الذي يقتضيه الظاهر في حكاية الماضي أن يكون بالفعل الماضي بأن يقول وإذ رفع إلى كونه بالمضارع لاستحضار الحالة .
A E