وفعل ( ولاهم ) أصله مضاعف ولى إذا دنا وقرب فحقه أن يتعدى إلى مفعول واحد بسبب التضعيف فيقال ولاه من كذا أي قربه منه وولاه عن كذا أي صرفه عنه ومنه قوله تعالى هنا ما ولاهم عن قبلتهم وشاع استعماله في الكلام فكثر أن يحذفوا حرف الجر الذي يعديه إلى متعلق ثان فبذلك عدوه إلى مفعول ثان كثيرا على التوسع فقالوا ولى فلانا وجهه مثلا دون أن يقولوا ولى فلان وجهه من فلان أو عن فلان فأشبه أفعال كسا وأعطى ولذلك لم يعبأوا بتقديم أحد المفعولين على الآخر قال تعالى ( فلا تولوهم الأدبار ) أصله فلا تولوا الأدبار منهم فالأدبار هو الفاعل في المعنى لأنه لو رفع لقيل ولي دبره الكافرين ومنه قوله تعالى ( نوله ما تولى ) أي نجعله واليا مما تولى أي قريبا له أي ملازما له فهذا تحقيق تصريفات هذا الفعل .
وجملة ( ما ولهم ) الخ هي مقول القول فضمائر الجمع كلها عائدة على معاد معلوم من المقام وهم المسلمون ولا يحتمل غير ذلك لئلا يلزم تشتيت الضمائر ومخالفة الظاهر في أصل حكاية الأقوال .
والاستفهام في قوله ( ما ولهم ) مستعمل في التعريض بالتخطئة واضطراب العقل .
والمراد بالقبلة في قوله ( عن قبلتهم ) الجهة التي يولون إليها وجوههم عند الصلاة كما دل عليه السياق وأخبار سبب نزول هذه الآيات .
والقبلة في أصل الصيغة أسم على زنة فعلة بكسر الفاء وسكون العين وهي زنة المصدر الدال على هيئة فعل الاستقبال أي التوجه اشتق على غير قياس بحذف السين والتاء ثم أطلقت على الشيء الذي يستقبله المستقبل مجازا وهو المراد هنا لأن الانصراف لا يكون عن الهيئة قال حسان في رثاء أبي بكر ( رض ) : .
" أليس أول من صلى لقبلتكم والأظهر عندي أن تكون القبلة أسم مفعول على وزن فعل كالذبح والطحن وتأنيثه باعتبار الجهة كما قالوا : ما له في هذا الأمر قبلة ولا دبرة أي وجهة .
وإضافة القبلة إلى ضمير المسلمين للدلالة على مزيد اختصاصها بهم إذ لم يستقبلها غيرهم من الأمم لأن المشركين لم يكونوا من المصلين وأهل الكتاب لم يكونوا يستقبلون في صلاتهم وهذا مما يعضد حمل ( السفهاء ) على المشركين إذ لو أريد بهم اليهود لقيل عن قبلتنا إذ لا يرضون أن يضيفوا تلك القبلة إلى المسلمين ومن فسر ( السفهاء ) باليهود ونسب إليهم استقبال بيت المقدس حمل الإضافة على أدنى ملابسة لأن المسلمين استقبلوا تلك القبلة مدة سنة وأشهر فصارت قبلة لهم .
وضمير الجمع في قوله ( ما ولهم ) عائد إلى معلوم من المقام غير مذكور الفظ حكاية لقول السفهاء وهم يريدون بالضمير أو بمساويه في كلامهم عوده على المسلمين .
وقوله ( التي كانوا عليها ) أي كانوا ملازمين لها فعلى هنا للتمكن المجازي وهو شدة الملازمة مثل قوله ( أولئك على هدى من ربهم ) وفيه زيادة توجيه للإنكار والاستغراب أي كيف عدلوا عنها بعد أن لا رموها ولم يكن استقبالهم إياها مجرد صدفة فإنهم استقبلوا الكعبة ثلاث عشرة سنة قبل الهجرة .
A E