وقد يكون مرادا منه التنويه بالخير فيجعل كأنه مما يروم المتكلم تشبيهه ثم لا يجد إلا أن يشبهه بنفسه وفي هذا قطع للنظر عن التشبيه في الواقع ومثله قول أحد شعراء فزارة في الأدب من الحماسة : .
كذاك أدبت حتى صار من خلقي ... أني رأيت ملاك الشيمة الأدبا أي أدبت هذا الأدب الكامن العجيب ومنه قول زهير : .
كذلك خيمهم ولكل قوم ... إذا مستهم الضراء خيم وقوله تعالى ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) من هذا القبيل عند شراح الكشاف وهو الحق وأوضح منه في هذا المعنى قوله تعالى ( وكذلك فتنا بعضهم ببعض ) فإنه لم يسبق ذكر شيء غير الذي سماه الله تعالى فتنة أخذا من فعل فتنا .
والإشارة على هذا المحمل المشار إليه مأخوذ من كلام متأخر عن اسم الإشارة كما علمت آنفا لجعل المأخوذ من جعلناكم وتأخير المشار إليه عن الإشارة استعمال بليغ في مقام التشويق كقوله تعالى ( قال هذا فراق بيني وبينك ) أو من كلام متقدم عن اسم الإشارة كما للبيضاوي إذ جعل المشار إليه هو الهدي المأخوذة من قوله تعالى ( يهدي من يشاء ) ولعله رأى لزوم تقدم المشار إليه .
والوسط اسم للمكان الواقع بين أمكنة تحيط به أو للشيء الواقع بين أشياء محيطة به وليس هو إلى بعضها أقرب منه إلى بعض عرفا ولما كان الوصول إليه لا يقع إلا بعد اختراق ما يحيط به أخذ فيه معنى الصيانة والعزة : طبعا كوسط الوادي لا تصل إليه الرعاة والدواب إلا بعد أكل ما في الجوانب فيبقي كثير العشب والكلأ ووضع كوسط المملكة يجعل محل قاعدتها ووسط المدينة يجعل موضع قصبتها لأن المكان الوسط لا يصل إليه العدو بسهولة وكواسطة العقد لأنفس لؤلؤة فيه فمن أجل ذلك صار معنى النفاسة والعزة والخيار من لوازم معنى الوسط عرفا فأطلقوه على الخيار النفيس كناية قال زهير : .
هم وسط يرضى الأنام بحكمهم ... إذا نزلت إحدى الليالي بمعضل وقال تعالى ( قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون ) .
ويقال أوسط القبيلة لصميمها . وأما إطلاق الوسط على الصفة الواقعة عدلا بين خلقين ذميمين فيهما إفراط وتفريط كالشجاعة بين الجبن والتهور والكرم بين الشح والسرف والعدالة بين الرحمة والقساوة فذلك مجاز بتشبيه الشيء الموهوم بالشيء المحسوس فلذلك لروي حديث " خير الأمور أوسطها ) وسنده ضعيف وقد شاع هذان الإطلاقان حتى صار حقيقتين عرفيتين .
فالوسط في هذه الآية فسر بالخيار لقوله تعالى ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) وفسر بالعدول والتفسير الثاني رواه الترمذي في سننه عن حديث أبي سعيد الخدري عن النبي A وقال حسن صحيح والجمع في التفسيرين هو الوجه كما قدمناه في المقدمة التاسعة .
ووصفت الأمة بوسط بصيغة المذكر لأنه اسم جامد فهو لجموده يستوي فيه التذكير والتأنيث مثل الوصف بالمصدر في الجمود والإشعار بالوصفية بخلاف نحو رأيت الزيدين هذين فإنه وصف باسم مطابق لعدم دلالته على صفة بل هو إشارة محصنة لا تشعر بصلة في الذات .
وضمير المخاطبين هنا مراد به جمع المسلمين لترتبه على الاهتداء لاستقبال الكعبة فيعم كل من صلى لها ولأن قوله لتكونوا شهداء قد فسر في الحديث الصحيح بأنها شهادة الأمة كلها على الأمم فلا يختص الضمير بالموجودين يوم نزول الآية .
والآية ثناء على المسلمين لأن الله قد ادخر لهم الفضل وجعلهم وسطا بما هيأ لهم من أسبابه في بيان الشريعة بيانا جعل أذهان أتباعها سالمة من أن تروج عليهم الظلالات التي راجت على الأمم قال فخر الدين يجوز أن يكونوا وسطا بمعنى أنه متوسطون في الدين بين المفرط والمفرط والغالي والمقصر لأنهم لم يغلوا كما غلت النصارى فجعلوا المسيح أبن الله ولم يقصروا كما قصرت اليهود فبدلوا الكتب واستخفوا بالرسل . واستدل أهل أصول الفقه بهذه الآية على أن إجماع علماء الأمة أي المجتهدين حجة شرعية فيما أجمعوا عليه وفي بيان هذا الاستدلال طرق : A E