وقوله ( وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره ) تنصيص على تعميم حكم استقبال الكعبة لجميع المسلمين بعموم ضميري كنتم ووجوهكم لوقوعهما في سياق عموم الشرط بحيثما وحينما لتعميم أقطار الأرض لئلا يظن أن قوله فول وجهك شطر المسجد الحرام خاص بالنبي A فإن قوله فول وجهك شطر المسجد الحرام خطاب للنبي A اقتضى الحال تخصيصه بالخطاب به لأنه تفريع على قوله ( قد نرى تقلب وجهك في السماء ) ليكون تبشيرا له ويعلم أن أمته مثله لأن الأصل في التشريعات الإسلامية أن تعم الرسول وأمته إلا إذا دل دليل على تخصيص أحدهما ولما خيف إيهام أن يكون هذا الحكم خاصا به أو أن تجزي فيه المرة أو بعض الجهات كالمدينة ومكة أريد التعميم في المكلفين وفي جميع البلاد ولذلك جيء بالعطف بالواو لكن كان يكفي أن يقول وولوا وجوهكم شطره فزيد عليه ما يدل على تعميم الأمكنة تصريحا وتأكيدا لدلالة العموم المستفاد من إضافة شطر إلى ضمير المسجد الحرام لأن شطر نكرة أشبهت الجمع في الدلالة على أفراد كثيرة فكانت إضافتها كإضافة الجموع وتأكيدا لدلالة الأمر التشريعي على التكرار تنويها بشأن هذا الحكم فكأنه أفيد مرتين بالنسبة للمكلفين وأحوالهم أولاهما إجمالية والثانية تفصيلية .
وهذه الآيات دليل على وجوب هذا الاستقبال وهو حكمة عظيمة ذلك أن المقصود من الصلاة العبادة والخضوع لله تعالى وبمقدار استحضار المعبود يقوي الخضوع له فتترتب عليه آثاره الطبية في إخلاص العبد لربه وإقباله على عبادته وذلك ملاك الامتثال والاجتناب . ولهذا جاء في الحديث الصحيح ( الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) ولما تنزه الله تعالى عن أن يحيط به الحس تعين لمحاول استحضار عظمته أن يجعل له مذكرا به من شيء له انتساب خاص إليه قال فخر الدين ( إن الله تعالى خلق في الإنسان قوة عقلية مدركة للمجردات والمقولات وقوة خيالية متصرفة في عالم الأجسام وقلما تنفك القوة العقلية عن مقارنة القوة الخيالية فإذا أراد الإنسان استحضار أمر عقل مجرد وجب أن يضع له صورة خيالية يحسها حتى تكون تلك الصورة الخيالية معينة على إدراك تلك المعاني العقلية ولما كان العبد الضعيف إذا وصل إلى مجلس الملك العظيم لابد من أن يستقبله بوجهه ويبالغ في الثناء عليه بلسانه وفي الخدمة له فاستقبال القبلة في الصلاة يجري مجرى كونه مستقبلا للملك والقرآن والتسبيحات تجري في مجرى الثناء عليه والركوع والسجود يجري مجرى الخدمة ) اه .
فإذا تعذر استحضار الذات المطلوبة بالحس باستحضارها يكون بشيء له انتساب إليها مباشرة كالديار أو بواسطة كالبرق والنسيم ونحو ذلك أو بالشبه كالغزال عند المحبين وقديما ما استهترت الشعراء بآثار الأحبة كالأطلال في قوله قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل وأقوالهم في البرق والريح وقال مالك بن الريب : .
دعاني الهوى من أهل ودي وجيرتي ... بذي الطيسين فالتفت ورائيا والله تعالى منزه عن أن يحيط به الحس فوسيلة استحضار ذاته هي استحضار ما فيه مزيد دلالة عليه تعالى .
لا جرم أن أولى المخلوقات بأن يجعل وسيلة لاستحضار الخالق في نفس عبده هي المخلوقات التي كان وجودها لأجل الدلالة على توحيد الله وتنزيهه ووصفه بصفات الكمال مع تجردها عن كل ما يوهم أنها المقصودة بالعبادة وتلك هي المساجد التي بناها إبراهيم عليه السلام وجردها من أن يضع فيها شيئا يوهم أنه المقصود بالعبادة ولم يسمها باسم غير الله تعالى فبنى الكعبة أول بيت وبنى مسجدا في مكان المسجد الأقصى وبنى مساجد أخرى ورد ذكرها في التوراة بعنوان مذابح فقد بنت الصابئة بعد نوح هياكل لتمجيد الأوثان وتهويل شأنها في النفوس فأضافوها إلى أسماء أناس مثل ود وسواع أو إلى أسماء الكواكب وذكر المسعودي في مروج الذهب عدة من الهياكل التي أقيمت في الأمم الماضية لهذا الشأن ومنها هيكل سندوساب ببلاد الهند . وهيكل " مصلينا " في جهة الرقة بناها الصابئة قبل إبراهيم وكان آزر أبو إبراهيم من سدنته وقيل أن عاد بنوا هياكل منها جلق هيكل بلاد الشام .
A E